متى تحول التعليم إلى عملية لها نظام بعد أن كان نشاطًا إنسانيًا فطريًا؟

star إجابة مميزة

دعنا نعود بالزمن إلى الوراء قليلًا، إلى زمن ما قبل الزراعة: في البداية، علّم الأطفال أنفسهم طيلة مئات الآلاف من الأعوام من خلال اللهو الموجه ذاتيًا والاستكشاف، حيث عاش البشر كصيادين وجامعي ثمار لمدة مئات الآلاف من السنوات وقبل ظهور الزراعة. فالأطفال في ثقافات الصيد وجمع الثمار تعلموا ما كانوا بحاجة لتعلمه قبل أن يصبحوا بالغين فاعلين من خلال لهوهم واستكشافهم. بمعنى أن الطفل كان يلهو حول والديه ويتنقل من مكان إلى مكان مستكشفًا الطبيعة من حوله، ومستكشفًا احتياجاته والأدوات التي كان يصنعها في حدود الخامات المتاحة آنذاك.

بظهور الزراعة، والصناعة لاحقًا، أصبح الأطفال عمالًا بالسخرة، وتم قمع اللعب والاستكشاف، وغيّرت الزراعة من كل ذلك بشكل تدريجي. فمع الزراعة، استقر الإنسان، فقد وجد الطعام والمسكن الدائم، حيث كان الناس يزرعون محاصيلهم بدلًا من حياة الترحال، مما شجعهم على الإنجاب أكثر أيضًا. وأصبحوا يتملكون الأراضي والمنازل، وكما هو معلوم فإن الزراعة عبارة عن عمل متكرر ، ليس به من الإبداع والاستكشاف ما كانت توفره حياة الصيد والترحال.

بدأ منذ هذا العصور ظهور الطبقات مع الزراعة وملكية الأرض، فالأشخاص الذين لا يمتلكون أراضي يعملون عند مالكي الأراضي، وأصبح هناك أغنياء وفقراء، ملاك وخدم.

في أوروبا مع بداية الإقطاعية في العصور الوسطى، أصبحت هناك هرمية في المجتمع. وانتقلت عمالة الأطفال في الزراعة في الطبيعة والمفتوحة، إلى عمالة في المصانع، وفي هذا الوقت في أوروبا كانت غالبية الشعب من العمال، عليهم السمع والطاعة وخدمة ذوي النفوذ. وفي هذا الوقت كان أغلب الناس وضمنهم الأطفال من الرقيق، وكانت الدروس الرئيسة التي كان يتوجب على الأطفال تعلمها هي الطاعة وقمع إرادتهم، وإظهار التبجيل للوردات والسادة، وكانت الروح المتمردة تؤدي إلى موت صاحبها. بدأت شعبوية التعليم، وفرضه على أكبر شريحة من الأفراد، مع هزيمة النظام الإقطاعي في الغرب وموته في القرن الثامن عشر، وانتصار البرجوازية كنخبة جديدة تحكم أوروبا. فقد جاء هذا الانتصار بثمن باهظ دفعته هذه النخبة الجديدة؛ فقد فقدت السلطات في أوروبا أبرز مفاتيح التحكم في ذلك الإنسان، وبدأت تحتاج لسجنه في عقلية جديدة، وهي النظام التعليمي النظامي. وبحلول نهاية القرن الـ17، كانت لدى ألمانيا، قوانين في أغلب مدنها تتطلب ذهاب الأطفال للمدرسة، ولكن الكنيسة اللوثرية هي التي كانت تدير المدارس وليس الدولة. وفي أمريكا بأواسط القرن الـ17، أصبحت ماساتشوستس أول مستعمرة تفرض التعليم.

وفي المشرق وفي الدول الإسلامية تحديدًا كان الأمر مختلفًا.. فبعد نظام الحلقات في المساجد بدأت الحركة التعليمية تنمو وتتسع في المدن الإسلامية الكبرى في مصر والعراق والشام ، وبدأت بلاد المسلمين تزخر بعدد من دور التعليم المستقلة عن المساجد في القرن الرابع الهجري، ثم بدأ إنشاء المعاهد المشابهة في طبيعتها على نطاق واسع في القرن السادس الهجري، وكانت على هيئة دور لها هيئة عاملين كما كان في المسجد، تضم مدرسًا على الأقل ينتمي إلى أحد المذاهب السنية الأربعة. حيث كان نظام التعليم معتمدًا على المذاهب الفقهية، والدروس تسمى باسم مذهبها الفقهي، وتطورت مع الوقت إلى مدارس نظامية، كان أغلبها أيضًا يخضع إلى مذهب الدولة الأقوى حين ذاك، وكانت تفتح المدارس بغرض إحياء المذاهب الفقهية، ولم يمنع ذلك من دخول علوم أخرى كالرياضيات والفلك والهندسة. وبعد أن توسعت الدولة الإسلامية مع الفتوحات أُنشئت المساجد والكتاتيب في أرجاء البلاد الإسلامية حتى انطلقت الأمة لتوسع من نطاق التعليم بحيث أصبح لا قبل للدولة باحتواء مؤسساته أو الإشراف عليها، وتحولت حركة التعليم إلى كتاتيب وحلقات علم ومجالس في المساجد وفي دور العلماء، وكانت مسؤولية الدولة عن التعليم محدودة، حيث تُرك للناس حريتهم في التعليم، رغم أنها كانت تمنحهم التشجيع وتؤارزهم عن طريق إكرام المعلمين وطلبة العلم. وعُرف أن من بنى أول مدرسة في الإسلام هم أهل نيسابور، "فبنت بها المدرسة البهيقية، والمدرسة السعيدية، وأشهر هذه المدارس هي المدرسة النظامية" المنسوبة إلى الوزير نظام الملك 459هـ/ 1066م، وفي أواخر القرن التاسع انتشرت المدارس الإبتدائية، وعُرف أن أبناء الأمراء والحكام كان لهم معلمون يذهبون إليهم بشكل خاص، ثم تطورت المدارس شيئًا فشيئًا وبدأت تحكم بقوانين ودساتير، وأبرزها ما قدمه محمد علي في تطوير نظام التعليم في مصر، متأثرًا أيضًا بمنظومة التعليم في الغرب، وأرسل البعثات لنقل تلك الخبرات الجديدة. ومنذ ذلك الوقت وبدأ التعليم مؤسسة تابعة للدولة تحتكم لقوانينها وسياساتها، واتجاهاتها نحو الدين واللغة ومدى تأثير الاستعمار عليها كما حدث في مصر، ودول المغرب من قبل الاستعمار الإنجليزي والفرنسي.


للإستزادة:

  • معروف، ناجي. نشأة المدارس المستقلة في الإسلام. د.ط. بغداد: مطبعة الأزهر، 1385ه=1966م.
  • السيوطي, عبد الرحمن بن أبي بكر. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر: دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى 1387 هـ= 1967م.
  • الرباصي. مفتاح يونس. المؤسسات التعليمية في العصر العباسي الأول 132-232 هـ 749-846 م. الطبعة الأولى. مصر: المجموعة العربية للتدريب والنشر، 1413ه=2010م.
  • النعيمي، عبد القادر بن محمد. (927ه). الدارس في تاريخ المدارس. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية، 1410ه=1990م.
  • بورديو، بيير. إعادة الإنتاج في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم. الطبعة الأولى. ترجمة د.ماهر تريمش. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 1427ه=2007م.
  • ج. ج. كولستون. عالم العصور الوسطى في النظم والحضارة. الطبعة الثانية. ترجمة: جوزيف نسيم يوسف. القاهرة: دار المعارف، 1386ه = 1967م.

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات