إلي أي مدى ساهمت جودة الكاميرات والفلاتر في زيادة عدم قناعة الشخص بنفسه وحرصه على الوصول إلى مستوى جمال مُرضي للآخرين؟

قديمًا كنا نشاهد الجمال الطبيعي مع بعض لمسات التجميل غير المبالغ فيهافي الأفلام القديمة، كانت الممثلة تظهر جميلة مع أسنان غير مستوية تمامًا، أو شامة على الوجه، أو..إلخ.. أما الآن فتبدو الفنانة أو الإنفلونسرز أو الفتيات على انستجرام في محاولة لإخراج الجسم والوجه في صورة كرتونية جميلة بدون أي عيوب بشكل مفزع.

فما هو تأثير ذلك على نمط الحياة والعلاقات الزوجية واختيار شريك الحياة وأيضًا تأثير ذلك على نظرة الناس لمعايير الجمال والشهرة والثقافة ..إلخ؟

Mohammed Iyado
Mohammed Iyado
قبل 4 أيام

هي ساهمت بشكل كبير في رفع درجات الشعور بعدم الرضا و تلاشي فكره القناعه بطبيعه الخلق و المشكلة الاكبر أن الكثيرين تناسوا أننا كلنا خلق الله و شاعت فكره سأكون صديقك و لكن علي حسب كيف هو شكلك من الخارج لا كيف هو طبعك من الداخل !


باعتقادي أنها ساهمت بصورة كبيرة جداً، لكن إذا تتبعنا مسار العملية / إمساك الهاتف ، التقاط صورة ومن ثم تعريضها للفلاتر وفي محطتها النهائية تصل إلى السوشال ميديا .. من وجهة نظري أرى أن الدافع الرئيسي لهذه العملية برمتها هو الآخر .. يعني أن من يفعل ذلك لا يفعله لنفسه لكن للآخر ، والآخر هو الأصدقاء على السوشال ميديا ، الغرباء ، المتتبعين وهكذا .. لماذا يريد الشخص أن يظهر في غاية الجمال وهو يعرف أن هناك بعض التجاعيد أسفل عينيه مثلاً أو بعض الحبوب والبثور التي تغطي وجهه أو أنه اكتسب وزناً فغارت عيناه في وجنتيه .. لماذا يريد أن يغير كل ذلك وهو جزء أصيل منه كإنسان لا يمكن تجاوزه في الحياة الطبيعية .. في الحقيقة لا أجد إجابة على هذا السؤال سوى أن من يفعل ذلك يهمه الآخر ونظرة الآخر وسلوك الآخر تجاهه أكثر مما هو مهتم في إظهار نفسه كما هو .. وفي هذا بذور انحلال الشخصية وتفككها ومن ثم انصهارها في الآخر حتى ننسى أنفسنا تماما وننسى ذواتنا الحقيقية ولا نراها إلا في عين الرائي .. والرائي هو أي أحد ... هو إنسان .. فقط ..

عززت السوشال ميديا من هذا الأمر ويمكن ملاحظة ذلك دون الرجوع إلى الدراسات على كثرتها وأهميتها ..

بلا شك أثر هذا الأمر على العلاقات فنقلها من حالة الصلابة إلى السيولة حسب زيجمونت باومان .. تظهر عمليات المقارنة لأن الإنسان يتعرض في السوشال ميديا إلى كم هائل من المدخلات أكثر مما يتعرض له في حياته الطبيعية كما أنه يشاهد أناساً كثر ، المشاهدة هي مدخل ، وتعددها يؤدي إلى تكون صور متعددة تشبه بعضها مع اختلافات طفيفة لكن كلها جميلة وفي الواقع ليس كل الناس على هذه الدرجة من الأناقة والجمال .. هو لا يراها في الواقع .. يراها في الصور .. يدير الإنسان رأسه وينظر إلى شريك حياته ثم ينظر في هاتفه فيرى أن التي / الذي في هاتفه أجمل .. يسائل نفسه .. يسائل الآخر .. وهكذا .. يفقد شيئاً فشيئاً جزءاً كبيراً من قناعته بشريكه وبجمال شريكه لأنه قارنه بصورة مزيفة لآخر لا تعرفه ولا يعرفك ، لم تتعامل معه .. تختزل كل الصفات التي على إثرها يتم اختيار شريك الحياة في صورة جامدة معرضة لفلتر يعمل على تزييف الحقيقة وبالتالي تزييف الوعي .. لأن الصورة تشكل جزءاً من وعي الإنسان .. قرأت مرة لشخص على الفيسبوك أنه تقدم لفتاة لم يرجع لها لأنها في الواقع مختلفة تماما عن صورها على الفيسبوك .. وقد أطلق عليها اسم " جعفر " كناية عن دمامتها ..

أما بالنسبة للمعيار : معايير الجمال اختلفت قبل السوشال ميديا في التاريخ بكثير ، لكن السوشال ميديا عمل على نقلها من مرتبة ظاهرة لفئة محددة من الناس إلى مرتبة طاغية الظهور لكل فئات المجتمع على سواء .. وبالتالي عززت من وضع المعيار وتشكيله في لا وعي الإنسان .. بما ينعكس عليه في سلوكه الحالي وهوسه في إخراج أفضل نسخة من نفسه للآخر ولو كان ذلك على حساب التزييف والغش والخداع طالما أن الآخر يقبل هذا الأمر .. ولا بأس ..

أما بالنسبة للشهرة فإن المشهورون مشهورين لأنهم مشهورون .. لا أكثر ولا أقل .. لكن شهرتهم أعطتهم مساحات للخوض في مجالات قد لا يفقهون فيها شيئاً كتصدير الثقافة و مفاهيم النجاح .. ويمكن للمتابع العادي أن يتأثر خصوصاً في مسألتي الثقافة والنجاح وتحديداً النجاح باعتباره ملعب الرأسمالية بكامل توحشها وتصديرها لما يسهم في استمراريتها .. لكن الواعي يعرف أن هذا كله ضرب من السخف لا أهمية له ..

كخلاصة لحديثي الطويل : الفلتر أداة من أدوات تزييف الحقيقة/الوعي الذي ترافق مع انتشار السوشال ميديا، وهذه الأداة زاد الطلب عليها لأنها تحقق مستويات عالية من الدوبامين للشخص عندما ينظر لنفسه من خلال عين الآخر .. وهذا المستوى يرتفع كلما انصهر الشخص بالآخر مع الأيام حتى لا يعود هو هو ولا هي هي .. فنصبح كلنا ذوات منحلة في ذوات غيرنا ممن لا يشكل وجودهم في حياتنا سوى قلوب حب ولايكات وربما إيرادت مالية إذا كان عدد الآخرين كبير .. هذا الأداة طرقت مفهوم الأسرة وطرقت مفهوم النجاح وطرقت مفهوم ريادة الأعمال وطرقت جميع المفاهيم التي يتغذى عليها رأس المال ويكبر .. وحققت مزيداً من الفردانية والتذوت والانصهار إلى الداخل وهو تماماً ما يحتاجه السوق ..

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات