هل يدفعنا الإنترنت لتضخيم معرفتنا وثقافتنا بطريقة غير حقيقية؟

زهراء بسام
زهراء بسام check_circle
قبل 6 أيام

بدايةً، لا أعرف إذا كان المقصود من السؤال هو عملية "الاستعراض بالثقافة"، أو أن طريقة "بناء المعرفة" غير صحيحة أو حقيقية كما أشرت.

لكن بشكل عام، وكتقدمة تأسيسية لابد من التأكيد على أن الإنترنت - بمفهومه الأداتى - لا يدفعنا إلى شىء، فى النهاية الإنترنت بأدواته المختلفة هو باب تكنولوجى انفتح على مصراعيه، وقد تعددت دروبه، لكل إنسان اختيار السبيل الذى يختاره، وهو هنا مثل أى تطور تكنولوجى أو اتصالى جديد، اليد الطولى فيه للاستخدام الفردى.

لكن بالنظر إلى السياق الإجتماعى والنفسي، فهناك عوامل أخرى، مهمة ومؤثرة، تساهم فى تبنى نمط توظيف معين للأدوات التى اتاحتها شبكة الإنترنت، لا سيما التطبيقات الإجتماعية والثقافية (فيس بوك - تويتر - جود ريدز - بينترست) .. حيث هناك اتجاه بحثى قوى يرى أن غياب حارس البوابة* عن شبكة الإنترنت وتطبيقاتها أدى إلى وجود "فوضى معلوماتية هائلة"؛ فالمعلومة الصحيحة اختلطت بالخاطئة، واحتفظ عقلك بالرأى ونقيضه للقضية نفسها، مما ينتج عنه تشوش فى الفكر، فضلاً عن عدم قدرة ذلك الزخم المعلوماتى المتناثر على بناء معرفة جادة أو تنمية عقل نقدى قادر - فى أبسط قواعده - على نسب المعلومة / الرأى إلى صاحبه، يمكننا التدليل على ذلك بدراسة ممتعة أجراها (Nisbett & De Walt) على مجموعة من طلبة الجامعة، حيث عرضوا عليهم مجموعة من المقولات السياسية التى كتبها بعض السياسيين على شبكة فيس بوك وتويتر، وطلبوا منهم تحديد قائلها، وكانت النتيجة أن النسبة الأكبر من المبحوثين وجدت صعوبة شديدة فى ردّ كل مقولة إلى قائلها. يمكننا هنا أن نتذكر ببعض الكوميديا كمّ المقولات والحكم والمواعظ التى يتم تداولها فى أروقة السوشيال ميديا على لسان أشخاص تاريخيين، لكنهم لم ينطقوا حرفاً منها!

هذه الفوضى، نعم، لا تصنع معرفة جادة، بل وتذهب إلى ما هو أبعد وأسوء، وهو ادعاء الثقافة، أو الاستعراض بها عن جهل، فى سبيل إثبات الحضور السوسيولجى للذات وبناء صورة متخيلة عنها فى إطار عرض مسرحى نشترك فيه جميعاً على شبكات التواصل الإجتماعى. لكن، ولكى نكون منصفين بالقدر الذى يجعلنا نتحمل مسئولية عقولنا، لا شىء "يدفعنا" كما وصّفت فى سؤالك إلى ذلك غير اختياراتنا، يمكننا - فى حال الإرادة الجادّة- التثبت من المعلومة، استثمار أفضل لعنصر "الإتاحة" الذى حققته شبكة الإنترنت، حيث أصبح بالإمكان الوصول إلى المعلومات، وتقييم صحتها، وبناء تراكم معرفى جيّد، فقط الأمر متوقف على اختيار موقعك فى تلك الشبكة، على هامشها الاستعراضى، أو فى مركزها المعلوماتى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • حارس البوابة، نظرية إعلامية، ترى أن المادة الإعلامية تواجه نقاطا/بوابات تشبه حواجز التفتيش قبل وصولها للجمهور، فيها يتم تقرير ما يمر وما لا يمر من الأخبار والمعلومات، ويسمى الأفراد الذين يقفون عليها حراس البوابة، وهو فى الغالب رؤساء تحرير الوسائل الإعلامية - ويكون لهم سلطة تقييم المحتوى الإعلامى وبالتالي تقرير الموضوعات التي تنشر أو التي ينبغي إعادة صياغتها بصورة معينة أو تلك التي يجب إهمالها؛ فمفهوم ” حراسة البوابة ” يعني السيطرة الاستراتيجية على طرق مرور المعلومات والأخبار والآراء من الوسيلة الإعلامية إلى الجمهور.

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات