هل تصميم المنازل الحديثة له تأثير على العلاقات وعلى معدل المشكلات والجريمة مثلًا؟

سابقًا كانت البيوت معدة لاستقبال الضيوف والمسافرين والعائلة، اليوم أغلب المنازل مصممة بشكل يوحي بالعزلة أو بأن العلاقات أغلبها تتم بالخارج في مقاهي أو فنادق؟ كما أنها رغم تمتعها بأنظمة الأمن إلا أنها أكثر عرضة للسرقة وللجرائم بعكس منازل القرى والبيوت القديمة ذات الطابع العائلي؟


حين استشرت الجريمة في المنطقة، ولم تعد أية إجراءات أمنية كافية لوقف الكابوس أو التخفيف من حدته، كان قرار سلطات مدينة «سانت لويز ميزوري» الأمريكية هو تدمير مشروع برويتايخوي للإسكان، ونسفه عن بكرة أبيه بعد إخلائه من ساكنيه!

فما الذي يدفع سلطات محلية يفترض في مسؤوليها الرشادة والعقل إلى ارتكاب فعل يبدو مجنونا كهذا؟

بالطبع لم يكن دافع الأمر هو الانتقام من سكان المنطقة، ولكن استند قرار السلطات المحلية حينئذ إلى دراسات نفسية واجتماعية أكدت أن المحرك الرئيس للجريمة في هذا الحي هو النظام التخطيطي للمساكن وشكل الواجهات المعمارية وأسلوب توزيع الفراغات؛ فتلك الفراغات بنظرهم هي التي هيأت سكان الحي وساعدتهم على امتهان حرفة الإجرام وحركت نوازع الشر في نفوسهم!

تبدو الحالة السابقة مثالا صارخا على التأثير المتبادل بين تصميمات المسكن والسلوك النفسي وما يصاحبه من أنماط العلاقات الاجتماعية، ما نتناوله ها هنا هو أن المبنى يتأثر بفكر وفلسفة مصممه، ومنها بالطبع تلك المرتبطة بتفاعلاته الاجتماعية مع الآخرين، ثم ما يلبث أن يتحول بدوره إلى مؤثر في العلاقات الإنسانية سلبا أو إيجابا، أي أن السلوك المكاني ما هو إلا شكل من أشكال «التفاعل الاجتماعي Social interaction».

وفي دراسته المعنونة بـ «السياسة العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب»، يطرح الدكتور عبد الرحمن الرشيق مسألة العلاقة بين أشكال المساكن وأنماط الاجتماع السائد في المغرب على مدى عصور متتالية؛ على سبيل المثال خلال الحقبة الاستعمارية، حين سكن المغاربة والأوروبيون المستعمرون معًا مدينة الدار البيضاء، كان النمط الاجتماعي السائد بينهما هو النمط الانعزالي، بسبب الاحتقار المتبادل، وانعدام الاتصال بين تلك المجموعات الاجتماعية المتنافرة، وهو ما انعكس عمرانيًا في إقامة فوارق وحدود مجالية -وإن كانت غير مرئية- بين الفضاء السكني الخاص بالمغاربة والمدينة السكنية التي كان يقطنها الأوروبيون، وكانت السياسة التخطيطية آنذاك تسعى إلى تأكيد هذا الطابع التمييزي، فتُحرص على تقسيم المدينة أثناء مرحلة التصميم إلى مناطق وظيفية تترجم الفوارق العرقية بالدرجة الأولى ثم الفوارق الاجتماعية.

يمكن الاطلاع على مادة بعنوان" هل تحدد طبيعة علاقاتنا أشكال منازلنا؟"

وأيضًا مطالعة موضوع متعدد التخصصات قد يهمك بعنوان "ما هو شكل منزل الأحلام؟"

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات