هل تأثرت منظومة الأسرة بظروف المجتمع والإعلام الافتراضي؟

هلى مؤسسة الأسرة مهددة بالاندثار في ظل مجتمع يدفع بالأفراد إلى الاستقلال؟ هل علا تأثير الشارع وفضاء التواصل الاجتماعي على تأثير الأسرة؟


وضع الأسرة في عاملنا المعاصر هو امتداد لوضع الإنسان بشكل عام.

نحن نعيش في زمن الرأسمالية ومجتمع السوق، كل شيء يحسب بالمال، بالفائدة والربح، ولهذا فإن مساحة العلاقات الشخصية غير الربحية تتضاءل أمام هذه المنظومة الفكرية التي لا تعتبر أي إنجاز لا يمكن قياسه بالمادة شيئاً ذا قيمة.

الإشكالية الرئيسية هي في أن الفلسفة الروحية المتمثلة في الأديان أصبح موضعها هامشي، وصارت مجالاتها محدودة في ممارسات فردية. في حين أن منظومة الأسرة والزواج على مرّ التاريخ أي منظومة مرتبطة بالمعتقد الديني لحد كبير. فنجد أن الذي كان يقيم عقد الزواج في غالب الأمر رجل الدين. ومنه نستشف الطبيعة الروحية لعقد كالزواج.

لكن مع اتساع الفجوة بين الجانب الروحي في المجتمع الإنساني وتخليص هذه العلاقة من قيمتها المركزية في المجتمع المسلم في حالتنا، تحول الزواج لقضية اختيارية بل أصبح قضية يمكننا رفضها والتشهير بها على أنها مؤسسة فاشلة. وبدأت الأسرة تبدو كأنها أمر غير ضروري فيمكن لأي مجموعة من الأفراد تشكيل جماعات بديلة تنوب عن العلاقات الأسرية التي يحققها الزواج.

مشكلة هذه النظرة أنها قائمة على مبدأ المنفعة الشخصية. أن الفرد الأعزب غير المرتبط بأسرة متحرر من قيودها وبالتالي حياته أكثر سعادة. في حين الفرد المتزوج أو صاحب العائلة مقيد مربوط في ساقية الأسرة وبالتالي يعيش تعاسة دائمة. وأساس التقييم هنا مادي بحت. الأعزب حر في وقته وماله والمتزوج لا. الأعزب يعود له كل ما يبذله من مجهود بصورة مباشرة بينما صاحب العائلة لا يعود عليه شيئ مادي محسوس في المستقبل القريب ولا البعيد أحياناً. وهكذا تتلاشى قيم العشرة والمودة والمشاركة والتربية والتضحية والاستثمار في الإنسان لأنها كلها أمور لا تفيد مجتمع السوق.

مجتمع السوق هو الذي وفر الحضانات للأمهات حتى يخرجن للعمل ويدفعن ثمن خدمة رعاية الأطفال. وهو الذي يروج الآن لفشل مؤسسة الزواج لأنها تعيق تقدم الفرد وتشكل عبء على المشروع الرأسمالي الذي يريد فرداً غير مرتبط ولا مقيد يعمل بلا انقطاع ولا مشتتات.

لذلك من الصعب القول بأن العالم الافتراضي هو مصدر مثل هذه الاتجاهات، ربما يكون قناة لنشر مثل هذه المنظومات البديلة كغيره من الوسائل، لكن المشكلة الأساسية تكمن في الانفصال عن روح وفلسفة الإسلام المجتمعية واستبدالها بمنظومة السوق الحر الرأسمالية.


التحول الرقمي والبعد القيمي تُواجه المجتمعات اليوم تحدي حضاري وهوياتي غير مسبوق لما تُحدثه التكنولوجيات الرقمية من تحولات فائقة السرعة على المستوى الاقتصادي والثقافي والسياسي والمعرفي وكذا على سلوكيات الافراد وعلاقاتهم داخل مختلف البنيات الاجتماعية (الاسرة، المجتمع المدني، المقاولة...) وعلى أشكال التنظيم الاجتماعي وأيضا على القيم. هذا التحدي كان مطروحا في مختلف الطفرات الكبرى التي عرفها تاريخ البشرية بسبب ثورات العصر التي أَحدثت تَغيراً بنيويا للمجتمعات فيه ما هو إيجابي وسلبي، خصوصا مع الثورة الزراعية والصناعية اللتان أثرتا بشكل كبير على نمط العيش وعلى سلوكيات الفرد وأنماط تنظيم المجتمع، أثرٌ جوهرُه تَغيُّر قيمي خفي اتضحت مَعالمُه مع مرور الزمن. إن القيم في أدبيات العلوم الاجتماعية تأخد معاني مختلفة، حيث تُشكِّل تَفضِيلات جماعية ومعيارية، توجه حياة وفكر وخطاب وسلوك الأفراد والجماعات الذين يرَوْن فيها مثُلًا عليا، وتَشغَل موقعَ المرجعيات المؤطِّرة والموجِّهة لغايات العيش المشترك. كما ترتبط بسيرورة الواقع البشري وبدينامية المجتمعات وتحولاتِها. كما أن تَغير القيم لم يكن اشكالا مثيرا في يوم من الأيام، لأنه ليس بردود أفعال مباشرة وإنَّما هو ردود أفعال بعيـدة المدى تُسهِم(الردود) في تآكلها أو اغنائها بتدرج وببطيء. غير أن عامل الانفتاح والسرعة اللذان تَتميَّزُ بهما منظومة التحول الرقمي قد يُسهم وبوتيرة أكبر في صعود قيمة على حساب أخرى في سُلمِ قيم المجتمع.
فالتحول الرقمي أصبح واقعا بحكم سَعْيِه القطيعة مع ممارسات "تقليدية" واستبدالها بأخرى تَعتمد على كل ما هو رقمي (تطبيقات معلوماتية، أجهزة وروبوتات ذكية...) في وسَط مُختلف الفئات الاجتماعية وفي العديد من جوانب حياتهم الشخصية والمهنية وعلاقاتهم التجارية وفي تواصلهم وترفيههم. قَطِيعة انْعكسَت على سلُوكِيات الافراد والقيم المُؤسسة للعيش المشترك من قَبيل الروابط الاجتماعية التضامن والتسامح والحرية والمساواة... فتميز وسائل وأليات منظومة التحول الرقمي بالتأثير القوي والفعال، بسبب تنوعها ما بين مقروء ومسموع ومرئي، ووفرة وسائلها على مدار الساعة وسهولة استخدامها في أي مكان وبأي جهاز (الهاتف، الحاسوب، التلفزة...) بتكلفة زهيدة، وتحررها من الرقابة، واختراقها جميع المجالات بلا استثناء سواءً الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية. لكل هذه الأسباب وغيرها بَاتت منظومة التحول الرقمي مُؤثِر في النسق الاجتماعي الى جانب المدرسة والأسرة وجميع المؤسسات الأخرى.
التحول الرقمي عامل تفكيك العلاقات الاجتماعية فالظاهرُ اليوم هو التحول الذي مَسَّ البنية التحتية للمجتمع خصوصًا العلاقات بين الافراد (الأصدقاء والأقرباء)، فَبقدرِ ما يَسَّرت وسائلُ الاتصال، التَّواصل بين الأفراد، في الوقت ذاته عَسَّرت هذه الوسائل اللقاء مع بعـضهم البعض فـي المكان الواحد، عُسْرٌ له انعكاسات عميقة، لأن المسألة ليست مسألة زيارة أو لقاءٍ وإنَّما هـي مسألةُ علاقات وواجبات اجتماعية لها قيمة في المجتمع، كالود والتراحم والكرم والتضامن والتعاون والأنس، بالإضافة إلى تنامي الفردانية والانعزالية أمام هَدْم التماسك الاجتماعي. فكل هذا التَغَيُّر وصل بالمجتمع إِلَى حد التخلي عن هـذه الواجبات الاجتماعية واستبدالها برسالة نصية مـن الهـاتف أَو الحاسـوب، أي ببضع كلمات وأوسمة تحاول اختزال واختصار المعطيات كلَّها. التنشئة الاجتماعية كما أن الإنفتاح والتدفُق الإعلامي المصاحبين للتحول الرقمي فتحا العديد من النوافذ (الهاتف، الحاسوب، التلفزة الرقمية..) وأصبحت مصادر إضافية للتنشئة الاجتماعية حملت معها قيم وأفكار إيجابية وسلبية قد تساهم في صناعة جيل جديد بعقلية رقمية تنعَكِس على أسلوب حياته الشخصية والمهنية، فالأطفال اليوم من الفئات الأكثر تواجدا في العالم الرقمي حيث شكل الأطفال والمراهقون الذين تقل أعمارهم ي عن 18 سنة ما يقدر بنحو ثلث مستخدمي الإنترنت في مختلف أنحاء العالم (تقرير اليونسف 2017). فبالقدر الذي يحمل الترفيه الرقمي والانترنت عموما، موارد مُهمة تساهم على التنشئة ببعدها الإيجابي كالتنشئة على الاحترام والمواطنة وتحفيز الأطفال للوصول الى محتوى غني ومسلي، كما وَسَّع بشكل كبير من نطاق التفاعل والتواصل مع الآخر، فقد اثار أيضا مسائل سلبية مثل الارتهان الرقمي وإدمان الشاشة بين الأطفال، ووسَّعت أيضا العنف وانتشار المحتويات السلبية التي تشكل رؤيا خاطئة للأطفال عن مجتمعهم وعن العالم بل حتى على أنفسهم.
تشيئ الإنسان إن منظومة التحول الرقمي التي هي من صُنع الانسانِ للإنسان، دليل على التقدم والتطور الإنساني، فجميع التحولات كانت تسعى في الإيجاب على حاجياته وتعزيز أنسنته، إلا أن الغُلُوَّ في هذه التحولات مَسَّت بهذا الامر وانحرفت عنه نحو تَشْيئِه وجعله في مصاف الأشياء، فرواد السوشيال ميديا اليوم أصبحوا آلة إنتاج هَمُّهم البحث عن زبناء من أجل إرضائهم ، فسواءً المُنتِج أو زبنائه في ذلك الفضاء يشكلون أشياء تباع وتشترى، ففعالية وقوة صفحات ومجموعات السوشيال ميديا تُقَيَّم بعدد المعجبين بها، وعلى هذا الأساس يحدد ثمن بيعها لاستثمارها في التسويق والاشهار، أي في أخر المطاف أصبح الانسان مادة "استعمالية استهلاكية" بتعبير عبد الوهاب المسيري، كما يتم توظيف أفراح ومآسي الانسان في مقاطع فيديو لتحفيز الزبناء من أجل الوصول للمقاطع الاشهارية التي تتخلله (الفيديو)، كما أصبحت بعض التقنيات المثبتة في مختلف الأجهزة الذكية المصاحبة للإنسان تفرض بسبب تكرار رسائلها عليه نوع السلع الذي يجب شرائها الأمكنة الذي يجب زيارتها، في اتجاه نحو فقدان الانسان للإرادة والاختيار، بمعنى أن الانسان يعيش تحولا من فاعل إلى مفعول به، والاستسلام بأن الجهاز أذكى منه رغم أنه هو من صنع وبرمج منظومة التحول الرقمي.
فالمجتمع المغربي كباقي المجتمعات يعيش مجموعة من التحولات، "..واكبتها تحولات عميقة أخرى، على مستوى مرجعيات القيم..."(تقرير الخمسينية) "..وبتحول البنية العائلية المطرد نحو بنية نووية.."(تقرير الخمسينية)، يساهم التحول الرقمي أو الثورة التكنولوجيا في تعْمِيقِها(التحولات) ، مما يستلزم التدخل السريع من أجل التربية على القيم لتَحصِين المجتمع من سلبياتها(الثورة التكنولوجيا) والتشجيع على إيجابياتها، مع ضرورة تعزيز المنظومة القانونية وإرساء بنيات مؤسسية للتتبع والتقييم والإدماج الأمثل للتكنولوجيات الرقمية في النظام التربوي والتعليمي والثقافي، لتمكين الأطفال والشباب من توظيفها توظيفا رشيداً واستثمارها استثمارا امثلاً يُحصن الهوية الوطنية ويُعزز قيم الانتماء للوطن وتُنبه (المؤسسات)إلى القيم المخلّة بالسلوك المدني والمواطنة ، دون إغفال دور جمعيات المجتمع المدني في الانخراط ببرامج التربية الإعلامية من أجل التوعية والتحسيس بأثر التحول الرقمي على قيم الفرد والمجتمع. ذ.كمال كحلي https://www.linkedin.com/in/kamal-kouhli-84556b45/

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات