هل منصات التواصل الاجتماعي مكان مناسب للنقاش العلمي؟

أنت تشاهد إجابة منفردة، يمكنك استخدام الزر المجاور لتصفح جميع الإجابات.

اطلع على جميع الإجابات
star إجابة مميزة

لا يمكن البدء فى الإجابة على السؤال قبل توضيح المقصود بالمكان المناسب، لأنه لا يمكن الحكم بـ"مناسبة" مكان للنقاش وآخر لا، لأن النقاش بشكل عام "فعل إنسانى" تواصلى يقوم به الأفراد عادة للتعبير عن آرائهم، وبالتالى فإن أى "مجال عام" يمكن من خلاله أن يعبر الإنسان عن رأيه فهو مكان مناسب بالضرورة من حيث المبدأ.

لكن بالعودة إلى السؤال، هل منصات الشبكات الإجتماعية فضاء صالح للنقاش العلمى بمعنى المحاججة بالرأى والرأى الآخر، والدفع بالأدلة والبراهين وبناء تراكم علمى ومعرفى فى القضايا المختلفة؟ حقيقة هناك اتجاهين فى الإجابة على هذا السؤال، اتجاه يقول أنه إجمالاً، ومن حيث المبدأ، نعم، يمكن للسوشيال ميديا أن تقوم بهذا الدور، باعتبارها فضاء مفتوح، حر، يمتلك كل فرد عليها الحق فى إبداء رأيه على قاعدة متساوية، بل إن البعض اعتبرها مرادفاً لمفهوم المجال العام لدى "جورج هابرمس"*، وبالتالى فهى مجال ديمقراطى جيّد، بإمكانه إحداث تغييرات سياسية وثقافية وإجتماعية واسعة من خلال التواصل العقلى والإنسانى بين المستخدمين.

لكن، بالمقابل، هناك اتجاه آخر يرى أن منصات السوشيال ميديا ليست صالحة على الإطلاق لبناء تراكم معرفى أو علمى من أى نوع، وذلك لأنها لا تحتكم إلى قواعد معيارية يمكن القياس عليها، فكل شخص يحق له قول ما يريد فى أى قضية من القضايا بغض النظر عن خلفيته العلمية والمعرفية، فنعم، هناك مساواة متحققة لكل الأفراد فى إبداء آرائهم، لكن هذه المساواة نفسها العيب الرئيسى الذى ينقض قوة تلك المنصات، لأنها تنفى عن صاحب الخبرة أو المعرفة خبرته ومعرفته وتساويه بمن لا يمتلكهما، بما لا يحقق مبدأ العقلانية الذى تحدث عنه هابرمس فى نظريته.

لكن، إذا خرجنا من حدّية هذين الاتجاهين، واعتبرنا منصات السوشيال الميديا هى (الوسيط الذى تنظر الإنسانية من خلاله إلى نفسها) كما جاء فى تعبير "جان مارك فيرى"، فإنه يمكن لنا النظر إلى الأمر بصورة مختلفة وأكثر تركيبية بعض الشىء.

يمكننى أن أعدد لك المرات التى فتح فيها نقاشاً عاماً على السوشيال ميديا آفاق أسئلة خاصة لى، أو أعطانى معرفة عامة وإجمالية حول موضوع من الموضوعات، وأزعم أن بإمكانك أيضاً أن تكتشف أن العديد من الموضوعات والقضايا التى شغلتك لاحقاً، أو توسعت فى القراءة عنها، كان مبدأها "ترند" على أحد منصات الشبكات الإجتماعية، كذلك، يمكننى أن أعدد لك الكثير من المرات التى سئمت فيها نقاشات السوشيال ميديا لأنها كانت تفتقر إلى أبسط قواعد المعرفة والمنطق.

إذاً، الإشكال هنا ليس مدى صلاحية منصات التواصل الإجتماعى للنقاش العلمى أم لا، ولكن حول "المنتظر" من تلك النقاشات، مردودها ونتائجها على المدى القريب والبعيد، فإذا كان المنتظر منها إدارة نقاش علمى، خطّى، يصل إلى فناعات جذرية، أو نتائج يمكن تعميمها، أو رأى صواب يمكن البناء عليه، فإن السوشيال ميديا بطبيعتها البنيوية لا تصلح لذلك، فضلاً عن الواقع الإجتماعى المصرى بشكل خاص والعربى بشكل عام، والذى يفتقر بشكل كبير إلى العلمية والعقلانية والمنطقية فى الحوار، الأمر الذى لن يختلف الأمر كثيراً على السوشيال ميديا، فالعنف اللفظى حاضر، العصبية للأشخاص "مفهوم الألتراس" حاضرة أيضاً!

أما إذا كان المنتظر من تلك النقاشات إلقاء حجر فى الماء الراكد، بحيث تكون تلك النقاشات - بكل ميزاتها وعيوبها- فتح آفاق للسؤال والمعرفة بعد ذلك، فرصة جيّدة للتعبير الحر بدرجة ما عن الرأى، قياس الاتجاه العام للمجتمع تجاه قضية ما، أو حتى التعرّف على أفكاره المخبئة خلف ستار الاعتبارات الإجتماعية، وبالتالى لا يمكنه الإفصاح عنها إلا من خلال السوشيال ميديا، وغير ذلك مما يمكن الاستفادة منه والنظر إليه بعين النقد أو التحليل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مصادر يمكن الاطلاع عليها:

  • الفضاء العام عند هابرمس: فى المفهوم والتحولات التاريخية، نوار ثابت.
  • الشبكات الاجتماعية الإلكترونية وإشكالية تطبيق نظرية المجال العام لهبرماس في البحوث العربية، جمال ابن زروق.
  • يورجن هابرمس: مقدمة قصيرة جدا، جيمس جوردن فينليسون.

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات