ما هي حدود الخصوصية في عالم السوشيال ميديا؟

أنت تشاهد إجابة منفردة، يمكنك استخدام الزر المجاور لتصفح جميع الإجابات.

اطلع على جميع الإجابات
star إجابة مميزة

فى كتابه الشيّق "الخصوصية"، سرد ريموند واكس قضية الملكة فيكتوريا وزوجها الأمير ألبرت، حيث كانا بارعين فى فن الرسم، وفى العام 1849م أراد الزوجان الملكيان الاحتفاظ بنسخ من الرسوم الخاصة بهم من أجل الاستخدام الشخصى، فى مطبعة القصر كان لشخص ثالث رأى آخر، وهو أن يتم طباعة النقوش الملكية وعرضها أمام الجمهور فى معرض فنىّ عام. هنا، لم يتردد الزوجان الملكيان فى إقامة أول دعوة قضائية لحفظ "حق الخصوصية" بعدم النشر والتداول، وبالفعل أصدرت المحكمة حكمها القضائى بمنع إقامة المعرض، وقالت ضمن حيثياتها أن هذا القرار يؤسس لقاعدة "أن القانون باستطاعته أن يحمى خصوصية الأفكار والمشاعر المكتوبة إن كان صاحبها يرغب فى أن تبقي غير معروفة".

جميعنا بحاجة إلى الخصوصية، بل يمكن الزعم أنه لا أحد يمكن أن يعيش حياة سويّة دون الاحتفاظ بحقه فى أن يبقي جزء منه مخفىّ يبُح به لمن يريد، أو يُبقيه فى صندوقه الأسود بعيداً عن أعين المتلصصين، هنا يرى آلان ويستن أن غياب الخصوصية من شأنه أن يدمر الإنسان "فـالخصوصية تقدم فرصة للتحرر العاطفى، تسمح لنا بإزالة أقنعتنا الإجتماعية؛ ففى كل يوم يتنقل الفرد بين دور الأب الصارم، والزوج المحب، ومهرج حافلة الشركة، وموظف متسكع عند مبرد المياه، ورئيس لجنة بمنظمة، وكلها أدوار مختلفة من الناحية النفسية يتبناها المرء وهو ينتقل من مشهد لـمشهد على خشبة المسرح الفردية؛ والخصوصية، تعطى الأفراد - بداية من عمال المصانع وحتى أعظم الرؤساء- فرصة لكى يضعوا أقنعتهم جانبا من أجل أن يستريحوا، فالاستمرار فى وضعية العمل / المراقبة على الدوام قد يدمر الكائن البشرى".

الخصوصية ركيزة أساسية فى شعورنا العميق بالأمان، وهو الشعور الذى تدور حوله علاقاتنا الإنسانية، فأن تحتفظ بخصوصيتك يعنى أن يكون لك صديق حميم تشاركه بعض من أسرارك، حبيب قريب تختصه بجزء من ذاكرتك، تخيّل أنك لا تملك ذلك الحق، أنّ أفكارك ومشاعرك، أوقات فرحك وغضبك، ذاكرتك وذكرياتك للجميع حقٌ فيها، فما الذى ستختص به قريب أو صديق!

إذاً، ماذا فعلت بنا السوشيال ميديا؟

يطرح لورى أنديروزا افتراضاً خاصاً بأن شبكات التواصل الإجتماعى أعادت تعريف العِقد الإجتماعى بصورة أحادية الجانب، بأن جعلت من الأمور الخاصة أمورا عامة، ومن الأمور العامة أموراً خاصة، وأصبحت المعلومات الخاصة عن الناس متوافرة لطرف ثالث، الطرف الثالث هنا ليس فقط المؤسسات القائمة على إدارة شبكات التواصل الإجتماعى، بل أيضاً كل فرد يحتل قائمة أصدقائك هو طرف ثالث، وذلك فى بيئة افتراضية سلعتها الأساسية "الحياة اليومية" للإنسان. ففى كل صباح يتبارى فيه الناس بعرض حياتهم مكتوبة أو مصوّرة على منصات السوشيال ميديا يتناقص تدريجياً حقهم فى الخصوصية، هنا لا يمكن أن نعرّف أنفسنا كضحايا، كما لا يمكن أن نوصّف تماماً كجناة، يبدو الأمر كآلة ضخمة تعمل أتوماتيكيا وكل منّا يأخذ موقعه فيها، تبدو لى شبكات التواصل الإجتماعى هنا كحىّ ضيّق مكتظ بساكنيه، يصرخ الجميع ولا يسمع أحد، لكنه، وللمفارقة، لا يمكنك الهروب منه إلاّ إليه، فقد أصبح حضورك الإجتماعى مرتبطة بتلك القيمة الافتراضية التى أعطاها لك.

هذه الرغبة فى الحضور أفرزت ضمن ما أفرزته استباحة الخصوصية، أنت مهدد بالـ"سكرين شوت"، بصورة تُلتقط لك على غفلة تجد نفسك بها بطل "التريند"، هل فكرّت مرة أنك لربما تكون بطل حكاية هذا الغريب الذى يشاركك مقعد الحافلة، هذا الطبيب الذى أنت بين يديه الآن لربما بعدما يُنهى ساعات عمله الشاقة يقرر أن يكتب عنك على صفحته الشخصية، فأنتِ عزيزتى الأم إذا راودتك نفسك الأمارة بالسوء إلى تعديل سلوك ابنك بطريقة لا تعجب تلك المارّة من أمامك للحظتها قد تكونين بطلة حكاية "لو مش أد الخلفة متخلفوش"؛ جميعنا مهددون، بالقدر الذى نحن به مدانون بالرغبة الجامحة فى إثبات الوجود وسط عالم افتراضى ضخم تتحدد فيه قيمتك الاعتبارية بناءً على عدد المتابعين وأرقام الـ"لايك".

على الضفة الأخرى، يجادل البعض بأن غياب الخصوصية وحضور حسّ المراقبة الدائم من شأنه أن يحسّن من السلوكيات والأفعال العامة، فإحساسك أنك مراقب يجعلك تتخير رد الفعل الأفضل والأنسب خوفاً من الإدانة الإجتماعية، بالإضافة أن حصولك على حق المراقبة أيضاً من شأنه أن يرفع من مستوى الوعى العام، حيث من حق الجميع مراقبة الجميع، ثمّ من حق الجميع محاكمة الجميع على خياراتهم!

يمكن المحاججة هنا بتجربة ولاية تكساس الأمريكية عام 2008، حيث أتاحت لكل من يمتلك اتصالاً عبر الإنترنت من خلال شبكة تواصل إجتماعى خاصة تُدعى "بلوسيرفو" مراقبة الحدود مع المكسيك من خلال كاميرات المراقبة المثبتة على طول الشريط الحدودى وإبلاغ الشرطة عن المهاجرين غير الشرعيين أو مهربى المخدرات، وأسمتهم "المفوضين الافتراضيين فى شرطة تكساس"، ومن بين ألف ومئتا شخص توقعت الولاية القبض عليهم خلال العام الأول، تم القبض على ستة وعشرين شخصا فقط، بالإضافة إلى مئات التقارير والبلاغات المزيفة والكيدية، والعنصرية أيضا، حيث لم تنجح المراقبة المتاحة من تحقيق غايتها فى ضبط الخارجون عن القانون، فضلاً عن أنها أصبحت وسيلة للكثير من الأفعال غير الأخلاقية.

نعود إلى ريموند واكس، حيث يرى أن تآكل الخصوصية غالبًا ما يحدث بواسطة التراكم الساكن: من خلال اللامبالاة، وعدم الاكتراث، و الدعم الصامت"، ففى كل مرة نمرر فيها تعدى على خصوصية الآخرين، فإننا بالوقت ذاته نعطى تأشيرة سماح للآخرين بالتعدى على خصوصياتنا، مما يعنى فى النهاية إنسان مهدد بـ"السكرين شوت"، يفتقد الأمان ويُفقده للآخرين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مصادر يمكن الاطلاع عليها:

  • اعرف من أنت ورأيت ماذا فعلت: مواقع التواصل الاجتماعي وفقدان الخصوصية,لورى أندريوزا, مكتبة العبيكان, 2015
  • العلاقة بين الشبكات الإجتماعية ووسائل الإعلام التقليدى:الخصوصية والمهنة, جلال الدين زيادة,جامعة الإمام سعود, دراسة منشورة, 2015
  • مفهوم المجال العام : قراءة تحليلية في النشأة و التطور, اسماعيل، ممدوح مصطفى , مجلة العلوم الاجتماعية -الكويت.
  • الخصوصية, ريموند واكس, سلسلة مقدمة قصيرة جدا, مؤسسة هنداوى التعليمية.

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات