ما الأسباب التي جعلت هناك سمت معماري للحضارات السابقة، وفي المقابل لا يوجد في الوقت الحالي سمت معماري لكل بلد أو شعب؟

star إجابة مميزة
خالد بشير
خالد بشير check_circle
قبل 5 أشهر

منذ بدأ البشر بالاستقرار وبناء المساكن، كان الاتجاه دائماً للاعتماد على ما توفّره البيئة المحليّة من مواد يمكن استخدامها في عملية البناء، ومن هنا جاء أصل الاختلاف في أنماط وأشكال وأساليب البناء. فالبيئة النهريّة توفّر الطين وهو ما أتاح بناء أسقف منحنية؛ فظهرت أولى القباب في التاريخ مع الحضارة السومريّة جنوب العراق، والمناطق الجبلية وفّرت إمكان البناء باستخدام الصخور والحجارة، وظهرت بذلك أنظمة الإنشاء العمودي، والمعتمدة على الجسور والعوارض والأعمدة، وهو ما ظهر في العمارة الرومانيّة والإغريقية، وهناك بيئات أخرى وفّرت عناصر أخرى كالقصب والأخشاب، الخ، وهكذا كان الاختلاف في البيئة دائماً أصل للاختلاف في العمارة.

وإضافة الى المواد كان هناك تأثيرات بيئية أخرى، مثل المناخ، واختلاف عناصر الطبيعة المحيطة، ومخاطرها، مما أثّر على شكل المبنى ومدى تحصينه لمواجهة ظروف ومخاطر الطبيعة المختلفة. اضافة الى ذلك كان لاختلاف الثقافات والأديان أثرها أيضاً في اختلاف أنماط البناء، فظهر البناء الهرمي والعمودي - في العمارة الدينية - لدى الثقافات التي تعتقد بوجود آلهة في السماء، بينما غاب في الثقافات التي تعقد بالقوى الأرواحية مثلاً، وهكذا، كان لاختلاف الثقافة أثرها أيضاً.

في العصور الحديثة، وفي أعقاب الثورة الصناعيّة، حصلت تحولات كبرى، بدايةً على صعيد المواد، وذلك مع تطوير مادة الإسمنت، وتطويع المعادن واستخدامها على نحو واسع في البناء منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتطوير واستدخال مادة الزجاج لاحقاً مع دخول القرن العشرين، كل ذلك أدى الى إمكان تطوير أساليب جديدة، فظهرت الأبراج وناطحات السحاب في الساحل الشرقي بالولايات المتحدة، وتطوّر معها أسلوب الإنشاء المعروف بـ "الطراز العالمي"، والذي دلّ اسمه على محو وتجاوز الفوارق التي فرّقت الطرز المعمارية حول العالم عبر التاريخ، وذلك بسبب الاعتماد على مواد مشتركة تم تعميم استخدامها حول العالم، وهي أساساً: الحديد واللدائن، والاسمنت، والزجاج، وتميّز هذا الطراز بالنزعة التقليليّة (Minimalism) التي ميّزت عمارة الحداثة باعتبارها تجلٍ للعقلانيّة؛ فاعتمد على استخدام الخطوط المستقيمة المتقاطعة في التصميم، لاحقاً تطوّرت أساليب لاحقة ارتدّت عن النمط الحداثي ونزعته التقليليّة، واتجهت نحو التعقيد وعدم الانتظام، كما نجد في اعمال زها حديد أو كالترافا، عرفت بطرز "ما بعد الحداثة" إلا أنها بقيت أقل انتشاراً، كما أنها كانت تنتشر حول العالم أيضاً ولا تنحصر في أماكن محددة، كنتيجة لتأثير العولمة وتأثر المعماريين من حول العالم بأحدث التصميمات.

عموماً دخلت عوامل أخرى عديدة ساهمت في سيادة التنميط والنمط الواحد والمتشابه في الطرز المعمارية؛ من ذلك ترييف ونمو وتضخم المدن، بما في ذلك ظهور الأحياء الشعبية والعشوائية. أو مشاريع الاسكان العامة او المشاريع التجارية التي تستهدف الطبقات الوسطى والدنيا أساساً، حيث ساد التركيز على الوظيفة على حساب الجماليّات، وبالتالي تعزز انتشار نمط المكعبات والمعلبات.

بالرغم من ذلك برزت محاولات عديدة لخلق التمايز والتفرّد في الأنماط المعماريّة، وذلك عبر إعادة إحياء عناصر وطرز تاريخية؛ فظهرت مثلاً حول العالم الإسلامي توجّهات لاستخدام عناصر القباب والأقواس ضمن أنماط معماريّة حديثة، إلا أنها بقيت مرتبط أكثر بالأبنية الأكثر تخصصاً كالفنادق والمطارات ومراكز الثقافة والفنون والمتاحف والمباني الرسميّة مثلاً. كما ظهرت اتجاهات ومحاولات لخلق أشكال مستحدثة من العمارة المحليّة؛ كما في محاولة المعماري المصري حسن فتحي الشهيرة في "عمارة الطين". ولكن ما أضعف هذه التوجّهات دائماً كان هو الكُلفة ومدى سهولة توفير واستخدام التقنيات والأساليب، وارتباط ذلك بالتصنيع؛ فكانت عناصر مثل الطوب، والاسمنت، والحديد، أكثر عمليّة وأكثر توفراً، وتوفيراً. وهو ما عنى بالنتيجة تشابه في المواد وأساليب الإنشاء المعتمدة إلى حد بعيد حول العالم،

وبالعموم فإنه ليس من الدقة القول بشكل حاسم بالتشابه التام في أنماط وطرز العمارة حول العالم. ولا زال هناك عوامل أخرى تؤدي إلى التمايز، سواء على المستوى الجماليّ، أو على مستوى الحضريّ (التخطيطي)، كما في عوامل مدى الكثافة السكانية، ومستوى الرفاه، ولكن، أيضاً، تبقى أنماط العمارة في عالم اليوم أكثر تشابهاً بالنظر لما كان من فوارق عبر التاريخ، وبالعموم يمكن اعتبار ذلك من مظاهر وتجليات العولمة التي تسود عالمنا الحديث.

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات