هل المتحرش المتسلسل يستحق العقاب.. أم العلاج وإعطاءه فرص ثانية أولا؟

أنت تشاهد إجابة منفردة، يمكنك استخدام الزر المجاور لتصفح جميع الإجابات.

اطلع على جميع الإجابات
star إجابة مميزة

في البداية هناك مغالطة في طرح السؤال.

وكأننا مجبرون على أن نختار بين العقاب وبين العلاج. والحقيقة أن العمليتين لا تتعارضان وليس بالضرورة أن تكونا متتاليتين، فيمكن بكل بساطة أن يعاقب المتحرش المتسلسل وفي نفس الوقت يتم ضمان خضوعه للعاج السلوكي المناسب لحالته. ولكن لنكون أكثر واقعية فإن النقاش الدائر في الوسط العربي ليس نقاشاً جدياً.

في وسطنا العربي الحديث عن عقوبة التحرش تختلف باختلاف الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمتحرش. بالإضافة إلى ثقافة جمعية تتعامل مع التحرش على أنه جريمة لها طرفان. في حين أنها جريمة يقدم عليها طرف واحد. سواءً كانت الضحية ذكراً أو أنثى فإن المتحرش أو المتحرشة وحدهما المسؤولان عن الجريمة ولا يؤثر على من وقعت. لا يستقيم أخلاقياً أن ننظر للضحية فإن اتفقت مع قيمنا ومعتقداتنا الخاصة حول ما يمكن أن نسميه (مقبولاً اجتماعياً) نقف في صفها، وإن اختلفت أصبحت هي أو هو محط اللوم.

بالعودة للسؤال:

الجريمة تعاقب، وتعريف الجريمة وكيفيتها هي مهمة القانون. لكن ماذا لو أن القانون مازال في صدد تعريف ماهية الجريمة؟ جريمة التحرش اللفظي والتحرش الالكتروني مثلاً مازالت في طور التكون في مجتمعاتنا العربية لأن فكرة "المعاكسة" كما كانت تسمى سابقاً كانت مقبولة لحد كبير، بل قد تعتبر نشاطاً اجتماعياً طبيعياً. المجتمع ككل لم يبدأ في التحرك ضد هذه السلوكيات إلا عندما تحول الأمر لآفة وعندما بدأت الجريمة تعظم وتنتقل من حيز الكلمة لحيز الفعل.

في السياق الاجتماعي العام يجب أن يتم إسقاط العقوبة بالمجرم لأن هذا النوع من العدالة ليس متعلقاً فقط بالضحية، بل هي عدالة أخلاقية تساهم في تشكيل وتوجيه السلوك العام المجتمعي. الدعوات للمسامحة والغفران والفرص الثانية ليست من حق أي أفراد المجتمع ولا حتى المتضررين. هناك قيمة، وهذه القيمة لا تتحقق إن لم يتم محاسبة من يتعدى عليها. ترك هذه السلوكيات دون رادع ولا عقاب علني يعني بالضرورة أن المجتمع سوق يقوم بإدماج هذه السلوكيات ضمن المسكوت عنه.

البديل لتحقيق العدالة الأخلاقية هنا إن تدخلت القوى الاقتصادية أو المجتمعية المختلفة للصفح عن المنذنب هي أن يتولى المجتمع مهمة إنزال العقوبة برفض تحويل قضية في غاية الوضوح أخلاقياً ويسهل تعريفها على أنها "جريمة أخلاقية"، إلى قضية إنسانية تتحدث عن حق المجرم المسكين المتضرر من العقاب العلني. جانب كبير من هذه المعضلة يكمن في أننا كمجتمعات ننظر للعقاب على أنه نهاية المطاف، في حين تقتضي مصلحة المجتمع أن ينظر للمذنب في مثل هذه السلوكيات على أنه شخص يحتاج للتقويم وتعديل السلوك طالما أبدى النية لذلك. أما المتمرسون المصرون على اعتداءاتهم الذين أمنوا العقاب فأوغلوا في الجرم فلا يمكن أن نتحدث عن فرص ثانية قبل أن يتم إسقاط عقوبات رادعة بهم.

لكن لأن المجتمع بأكمله مشترك في هذا النوع من السلوك فإن إدانة المجرم بالنسبة لهم إدانة لكل فرد يرتكب مثل هذاالسلوك على مختلف درجاته. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية، أو ما يسمى بصراع المصالح، حيث تغطي مصلحة المجتمع الفاسد على مصلحة المجتمع الأخلاقية .

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات