لماذا نصف الأصوات بأوصاف مادية ملموسة أو مرئية مثل الحدة والخشونة والليونة؟ هل يؤثر ذلك على إدراكنا للصوت؟

أحمد سمير
أحمد سمير
قبل سنة

هذه الإجابة مترجمة عن مقال لبافلو شوبين، المحاضر بقسم فلسفة اللغات واللسانيات المقارنة والترجمة في جامعة دراغومانوف التربوية الوطنية بكييف في أوكرانيا. نُشِرَ المقال الأصلي فى مجلة أيون الأميركية.

لكي ندرك الأصوات، نعتمد على حواسٍ أخرى بالإضافة إلى السمع. فأغاني تايلور سويفت قد تبدو حلوة ولينة، وأغاني ليدي غاغا قد تبدو داكنة، بينما يبدو صوت جوني كاش خافتًا وخشنًا. ذلك لأنَّ الصوت ليس مجرد صوت يمكن سماعه، بل يمكن رؤيته وتذوقه ولمسه كذلك. إذ يُكوِّن الصوت الذي نسمعه "صورًا تستدعي إدراك العديد من الحواس"، أي يعتمد إدراكه على تصورات عدة حواس وليس حاسة واحدة.

يمكن أن تساعدنا ظاهرة الإدراك متعدد الحواس على فهم سبب إضفاء البشر خصائص مجازية على الصوت، مثل الليونة أو الخشونة أو العمق. فإذا تخيَّلنا أنَّ صوت أحد الساسة مُسطَّح، فهذا تخيُّل متعدد الحواس، لأنَّه يستدعي عمل حاستي البصر واللمس. إذ يمكننا التعرُّف على الأسطح المسطحة بلمسها أو رؤيتها. تعطينا هذه الانطباعات الحسية فكرةً عن الخصائص الصوتية للصوت، مشيرةً إلى أنَّ نبرته لا تتغير. جديرٌ بالذكر أنَّ خاصية التسطُّح والرتابة قد تمنح انطباعًا كذلك بأنَّ المتحدث يفتقر إلى العاطفة والمشاعر.

تُمثِّل الليونة وسيلةً شائعة أخرى لوصف الإدراك السمعي للصوت. فهي كالتسطُّح لا تصف طبيعة الصوت فحسب، بل يمكنها وصف حالة المتكلم العاطفية كذلك. وماذا عن الحدة، إحدى الخصائص الوصفية الأخرى المتعلقة بحاستي اللمس والبصر؟ فإذا وُصِفَ صوت أحد الأشخاص بأنَّه حاد، قد يعد ذلك استعارةً لكونه عدوانياً كريهاً، أو وسيلةً لوصف الصوت عندما يتحدث أحدهم معبراً عن رأيه بقوة.

تُمكننا الصور التي تستدعي عدة حواس لإدراكها من تحديد الأشياء التي قد تضرنا أو تنفعنا والتعامل معها. إذ لا يُعد سقوط قذيفة هاون أو قفز نمرٍ مفترس أو انزلاق سيارة مجرد أصوات أو أشياء نراها، بل صور متعددة الحواس ويمكن تصوُّرها على أنَّها تهديدات محتملة على الحياة. ففي علم النفس الإدراكي، من المُسلَّم به عمومًا أنَّ "دمج المعلومات من كل حاسةٍ يزيد فرصة البقاء على قيد الحياة بتقليل التباين في الإشارات الواردة، مما يمكننا من الاستجابة بسرعةٍ أكبر" على حد قول فانيسا هارار الأستاذة في جامعة أكسفورد. وأضافت فانيسا أنَّ سرعة رد الفعل لدينا تصل إلى أقصاها حين تتزامن مكونات الإشارات الواردة من عدة حواس.

أجرى تشارلز سبينس عالم النفس في جامعة أكسفورد بحوثًا مكثَّفة عن كيفية دمج البشر معلوماتٍ حسية عند تناول الطعام، واكتشف أنَّ حاستي البصر والسمع يمكن أن يغيرا مذاق الطعام. إذ وجدت إحدى الدراسات أنَّ بعض الحلويات يكون مذاقها عند وضعها في طبق أبيض أحلى من مذاقها عند تقديمها في طبق أسود. بينما اكتشفت دراسةٌ أخرى أنَّ مذاق الطعام يكون أفضل عند تناوله بأدوات مائدة ثقيلة.

تساعدنا التصوُّرات متعددة الحواس التي تولِّد استعاراتٍ على التفكير في أشياء مجردة نسبيًا من خلال أفكارٍ مألوفة بدرجةٍ أكبر. ففي كتاب Metaphors We Live By أو "الاستعارات التي نحيا بها" الذي صدر عام 2003، يقول جورج لاكوف العالم اللغوي والفيلسوف مارك جونسون -الذي وضع "نظرية الاستعارة المفاهيمية"- إنَّ البشر يستخدمون أفكارًا مادية لفهم الظواهر المجردة. تدعم بعض الأبحاث اللغوية وأبحاث علم النفس فكرة أنَّ الاستعارات تعزز أفكارنا المجرَّدة عن الزمن، والمال، والأخلاق، والموت، وحتى النشوة الجنسية. فعلى سبيل المثال، يُعد الزمن فكرةً مجردة، ونميل إلى فهمه عن طريق تشبيهه بالمكان الذي يُبدو فكرةً أكثر مادية؛ فالزمن يمكن أن يتحرك أو يظل ساكنًا، أو كما نقول إنَّه من الأفضل ترك الماضي وراءنا لأنَّ المستقبل ينتظر أمامنا.

ويُمثِّل اللامبالاة والعداء مفهومين اجتماعين معقدين يمكن نقلهما عن طريق تجربة الشعور بالبرد. فالبرودة شيء ملموس، وتنقل الرسالة المراد توصيلها بوضوح. وإذا وُصِف صوت أحد الأشخاص بأنَّه باردٌ، يربط الناس هذه الصورة الحسية بحالة المتكلم العاطفية. وفي السياق نفسه، يمكن ربط الخصائص الصوتية للصوت بتجارب حسية أخرى، فالصوت الحاد يمكن أن يستدعي عمل حاستي البصر واللمس.

ويُعَد تصوُّر "ملمس" شيء ما إحدى الطرق الأكثر شيوعًا التي نستخدم بها الاستعارات، لا سيما عند وصف الأصوات. وهذا يعزز فهمنا بدرجةٍ هائلة لأنَّ اللمس أسبَق في التطوُّر بكثير من الكلام، وهو أمرٌ حيوي في حياتنا اليومية. ففي كتاب Consciousness and the World أو "الوعي والعالم" الذي صدر عام 2000، اعتبر الفيلسوف الأسترالي بريان أوشونيسي أنَّ اللمس هو الحاسة البدائية الأولى، لأنَّه "نادرًا ما ينفصل عن امتلاك جسم يمكنه التفاعل في الفضاء المادي". وقال روبن دنبار المتخصص في علم النفس التطوري بجامعة أكسفورد إنَّ اللمس يؤدي دورًا هامًا في الروابط الاجتماعية في رتبة الرئيسيات (التي تشمل البشر). وكَتَب ستيفن فيلبس المتخصص في علم الأحياء التكاملي بجامعة تكساس في مجلة أيون الأميركية مستندًا إلى بحث دنبار ليقول إنَّ استخدام اللمس في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين الرئيسيات يبدو أنَّ عمره 30 مليون عام.

صحيحٌ أنَّ الصوت بصفته وسطًا لنقل الكلام يُعَد شيئًا حديثًا من ناحية التطور، لكنَّه صار جزءًا هامًا من تفاعلاتنا الاجتماعية. وهو لا يعمل وحده بمعزل عن الحواس الأخرى، إذ نعتمد على مجموعةٍ كاملة من التجارب الحسية للتعامل مع الأصوات وإدراكها. وتساعدنا مجموعة الحواس المتعددة على مناقشة مشاعر المتكلم وعواطفه عن طريق انتقال الصوت، وتكوين معنى داخلي للصوت عبر الاستعارات. ويمكن للأوصاف المتعلقة باللمس أو الحواس الأخرى أن تُبيِّن المعنى العميق للصوت وخصائصه الصوتية فورًا. وأخيراً، في المرة القادمة التي تسمعون فيها صوتًا ليِّنًا، فكِّروا في استحضار ملمس الليونة، فهذا سيجعل تجربتكم ذات دلالة بشكلٍ أكبر.


أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات