هل هناك علاقة بين موضات الأزياء وأوضاع السوق العالمية والسياسة؟ أم هو مجرد ذوق مصممي الأزياء فقط؟

Ahmed Raafat
Ahmed Raafat
قبل سنة

أولاً يجب تحديد عدة مفاهيم كي تكون الإجابة عبارة عن بوابة للفهم والبحث:

1-أوضاع السوق العالمية: حيث يحكم السوق الآن رأس المال أي "الرأسمالية" والتي يمكن تحديدها بأنها: هي نظام اقتصادي وشكل من الأشكال المجتمعية، وهي تتسم بعملية إنتاج عامة للسلع، وفيها تتخذ العلاقات الاقتصادية كلها طابعاً نقدياً، وتتسع حدود الطابع الاقتصادي للمجتمع لتشمل كل جوانب الحياة" [1]

كما أن هناك صور أُخرى متعلقة بالرأسمالية حيث حددها بيار بورديو الذي كان مهتماً بالتنظير لدور المعرفة والأذواق الثقافية في تكوين الطبقات: حيث فرق بين "الرأسمال الاجتماعي" الذي يمكن اعتباره بأنه الشبكات الاجتماعية والصلات التي يمكن للأفراد أن يكونوها بحيث تكون مصدر مهم يمكن التعويلل عليه لأغراض عدة.[2]

وبين "للرأسمال الثقافي" وهو المعوال الأهم حيث اعتبره انه الوسيلة الأهم في نقل القوة والامتيازات بين الأجيال. واستخدم هذا المفهوم وسيلة يفسر بها توزيع القوة والمكانة ضمن طبقات المجتمع.[3]

واُعتبرت الصناعات الثقافية التعددية لمطلع القرن الحادي والعشرين تتنافس في سوق مفتوحة نسبياً، وتأتي الأذواق غالباً بشكل غامض يكون متعمداً اجتماعياً وبما يسمح للناس –وخاصة الشباب- بلعب وتجريب عدد متنوع من الهويات الثقافية. [4]

2- الموضة يمكن فهم مفهومها ضمناً من الآتي: " إذا كانت الموضة عابرة إلى هذا الحد فذلك لأنها متنافرة وغير جمالية، لدرجة أننا لا نستطيع التصالح معها إلا لبرهة قليلة. فالانكماش السوسيولوجي بلغ هنا حده الأعلى؛ فالوله يترجم تطلعاتنا للتقدير الاجتماعي فقط، وغالباً ما نحب الموضة لأنها تسمح بوضعنا في طبقة اجتماعية معينة وبمنحنا ماركة لاستغلالها تمايزيًا. .[5]

3 -أما بالنسبة للسياسة فلابد أولاً من التفريق بين مفهومين، الأول السياسة كما نص عليها تعريف (shorter oxford English dictionary) "بأنها علم الحكم وفنه؛ وهو العلم الذي يتعامل مع شكل الدولة وتنظيمها وإدارتها أو جزء منها طبقاً لقوانين هذه الدولة، فضلاً عن تنظيم علاقتها بالدول الأخرى"

وبين مفهوم السلطة كما عرفه (nicos poulantzas, 1973) "بأنه قدرة طبقة اجتماعية على تحقيق أهداف مصالحها المحددة" [6]

من خلال تلك التعريفات نجد أن الظاهرة الاجتماعية محكومة بأُطر اقتصادية رأسمالية، وأُطر سياسية من قبل إدارة مؤسسات الدولة للمجتمع، وأُطر سلطوية من خلال سلطة المجتمع المكون للظاهرة وفرضها أو تداولها. كل ذلك محكوم بإطار عام متمثل في قيم "الحداثة" التي يمكن تعريفها بأنها إعادة إنتاج للقيم المجتمعية عن طريق القوانين المتسمة بالتأكيد العقلي ومقاومة التقاليد والأعراف. وتكون المجتمعات الحديثة قائمة على منهج عقلي تقوم فيه أفعال المجتمع على أساس التخطيط والتقنيات لاتخاذ أكثر الوسائل مناسبة لتحقيق الأهداف. [7]

ومن خلال تلك البيئة بُنيت فلسفة الموضة على توكيد الفردانية لدى الإنسان فحولته من مجرد منتمٍ للمجموع، لفاعل يسعى دائمًا لتوكيد ذاته، وذلك عن طريق خلق ذوق خاص لديه. فكان لابد أن يظل منتميًا للمجموع، ولكنه في الوقت نفسه يشترط أن يكون له ذوقه الخاص، فتحولت الملابس ومساحيق التجميل أداة لتوكيد (الأنا) لدى الفرد فظل الفرد يسعى نحو تحقيق وهم منشود للالتحاق بالصفوة، وأصحاب البريق والنفوذ والطبقة الاجتماعية هي من تُنتج الموضة.. [8]

ذلك على مستوى الفرد إلا أن الموضة لم تتوقف عند هذا الحد بل نشأت الموضات القومية حيث يتم تمثيل وتحديد البلاد قوميًا. فأصبحت البلاد لها ما يميزها عن جيرانها في اللباس، وأصبحت القوميات فكرة تعزز روح الانتماء لدى الفرد، والانتماء هذا ليس قومياً فقط بل سياسيًا وثقافيًا. وهنا تحول اللباس لحاكم على الأفراد ومدلل على ديانتهم وانتماءاتهم، وثقافتهم وطبقاتهم الاجتماعية. [9]

وانتشرت الموضة عن طريق الديمقراطية تحت مزيد من قيم الحداثة، والابداع، والتغيير المستمر، والاختيار الحر.

بينما على الجانب الاقتصادي ومع تعزيز ثقافة الاستهلاك والسعادة المؤقتة، ومحاولة تقديم السعادة بسعر زهيد كانت العلاقة بين «الجمالية والسعر» وكانت ثورة الماركات الديمقراطية. حيث تساوت الأزياء الرخيصة مع الأزياء الراقية، وحاولت الديمقراطية هنا أن تُزيل الفوارق الطبقية التي صنعتها الموضة ابتداءً، ولكنها لم تكن لصالح الفرد بل أنها استغلت الفرد من أجل اقتصاديات السوق الرأسمالي. وأصبحت الدعاية تنتشر لترغيب المستهلكين في أنواع معينة من الملابس وذلك عن طريق مزيد من الإنتاج الضخم بأسعار مقبولة لدى الجمهور.

وانتشرت الموضة بالدعاية التي عملت جاهدة نحو تعزيز ثقافة الاستهلاك واسُتخدمت الدعاية كافة الوسائل لإقناع الفرد أنه حر في اختياره وانتهجت في ذلك «الإغراء بدلًا من التوجيه الآلي»، وأصبحت الإعلانات غير مقتصرة على توجيه الجماهير نحو منتجات بعينها، بل أصبحت توجه الجمهور نحو تحقيق دعم للسياسات العامة للدول والأيديولوجيات المختلفة، وتمت قولبة الأفكار والمبادئ طبقًا لمفاهيم السوق.

وبذك تكون الموضة ظاهرة اجتماعية مركبة أكثر منها مجرد ذوق ينتجه رواد بيوت الأزياء.


المصادر:

[1] علم الاجتماع المفاهيم الأساسية – تحرير: جون سكوت – ترجمة: محمد عثمان- الطبعة الثانية -الشبكة العربية للأبحاث والنشر ص: [230]

[2] المصدر نفسه ص:[221]

[3] المصدر نفسه ص:[227]

[4] المصدر نفسه ص:[229]

[5] جيل ليبوفتسكي، ممكلة الموضة زوال متجدد: الموضة ومصيرها في المجتمعات الغربية، ترجمة: دينا مندور، العدد 2947، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017). ص [59].

[6] علم السياسة الأسس- ستيفن دي تانسي- ترجمة رشا جمال – مراجعة جمال عبد الرحيم – الشبكة العربية للأبحاث واالنشر ص: [34،35]

[7] https://www.ida2at.com/fashion-democracy-another-inclusive-face/

[8] المصدر نفسه.

[9] المصدر نفسه.

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات