هل يمكن أتمتة عملية البحث العلمي، بحيثُ تكون هناك برمجيات أو آلات تقوم هي بدراسة وتحليل الظواهر؟ أعتقد في ظل التقدم الحالي في علوم الحاسب سيكون لذلك نتائج مُذهلة

star إجابة مميزة

هذه الإجابة مترجمة عن مقال لأحمد الخطيب المتخصص في بيولوجيا السرطان الجزيئي في كلية الطب بجامعة هارفارد. يركز عمله على تطوير منصات تحليلية لتحسين كفاءة البحث في الطب الحيوي. نُشِر المقال بمجلة أيون الأميركية

كتب العالِم ابن الهيثم: "والواجب على الناظِر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصماً لكل ما ينظر فيه، ويُجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه".

يعيش العالم أزمةً في ما يتعلق بالبيانات. ففي العام الماضي، نُشِرَت أكثر من 1.2 مليون ورقة علمية جديدة في علوم الطب الحيوي وحدها، ليصل عدد الأوراق البحثية الخاضعة لتقييم باحثين وخبراء آخرين في مجال الطب الحيوي إلى أكثر من 26 مليون ورقة. هذا في الوقت الذي يقرأ فيه أي باحث في المتوسط نحو 250 ورقة فقط في العام، وتستمر جودة الأوراق العلمية في التدهور. لدرجة أنَّ بعض الدراسات الأخيرة وجدت أنَّ أغلبية الأوراق العلمية في مجال الطب الحيوي لا يمكن تكرار نتائجها.

هذا التحدي المزدوج لتدهور جودة الأوراق العلمية وعددها الهائل سببه القدرات العصبية المحدودة للعقل البشري. فالعلماء يعتمدون على جزءٍ يتناقص باستمرار من معرفتنا الجمعية في استنباط فرضياتهم، ما يجعلهم أكثر فأكثر يسألون الأسئلة الخاطئة أو الأسئلة التي أُجيبَ عنها بالفعل. كذلك يبدو أنَّ الإبداع البشري يعتمد بشكلٍ متزايد على عشوائية التجارب السابقة، أي أحداثٍ بعينها تسمح للباحث بملاحظة شيءٍ لم يلاخظه غيره. ورغمَّ أنَّ الصدفة كانت دائماً ما تؤدي دوراً ما في الاكتشافات العلمية، فإنَّها تؤدي الآن دوراً أكبر بكثير مما يُفتَرَض بها. إحدى الإستراتيجيات الواعدة للتغلب على الأزمة الحالية هي الاستعانة بالآلات والذكاء الاصطناعي في العملية العلمية. فالآلات لديها ذاكرة أفضل وقدرة حسابية أكبر من العقل البشري. ويمكن لأتمتة عملية الاكتشاف العلمي أن تزيد عدد الاكتشافات العلمية بصورةٍ هائلة.

ويمكن لها أيضاً أن تبدأ ثورةً علمية أخرى. لكن إمكانية تحقيق هذه الخطوة الهائلة تتوقف على سؤالٍ مهم للغاية: هل يمكن بالفعل أتمتة عملية الاكتشاف العلمي؟ أعتقد ذلك، باستخدام نهج نعرفه منذ قرون. تكمن إجابة هذا السؤال في عمل السير فرانسيس بيكون، الفيلسوف الإنجليزي وأحد رواد العلم الحديث الذي عاش في القرن السابع عشر. يمكن تتبُّع أولى الأقوال المأثورة المُؤكِّدة على أهمية المنهجية العلمية إلى كتابات المفكرين المسلمين قبل قرونٍ عدة، مثل ابن الهيثم، الذي أكد على أهمية التجريب. لكن، كان بيكون هو أول من وضع نموذجاً للطريقة العلمية وجعلها موضوعاً للدراسة. ففي كتابه Novum Organum الذي ألفه عام 1620، اقترح بيكون نموذجاً للاكتشاف العلمي ما زال يعُرف باسم "منهجية بيكون".

جادل بيكون ضد استخدام الاستدلال القياسي في الاكتشاف العلمي، واعتبره لا يمكن الاعتماد عليه. بدلاً من ذلك، اقترح نهجاً يمكن فيه بشكلٍ منهجي جمع الملاحظات المتعلقة بظاهرةٍ معينة وتسجيلها وتحليلها بموضوعية باستخدام الاستدلال الاستقرائي، وذلك للخروج بأفكار وحقائق يمكن تعميمها. كان بيكون يرى أنَّ الحقيقة يمكن فقط كشفها حين يكون العقل حراً من المُسلَّمات المنقوصة (وبالتالي الخاطئة). كانت منهجية بيكون تهدف إلى تحرير عملية الملاحظة ووضع المفاهيم من التحيزات والمغالطات المنطقية، وذلك بتحديد خطوات الاكتشاف العلمي وتحسين كل واحدةٍ منها على حدة إلى أقصى درجة ممكنة.

وكانت رؤية بيكون هي الاستفادة القصوى من مجتمع جامعي الملاحظات لجمع كمياتٍ هائلة من المعلومات عن الطبيعة، وتسجيلها في سجلٍ مركزي يمكن الوصول إليه واستخدامه للخروج باكتشافاتٍ علمية عن طريق الاستدلال الاستقرائي. وكتب في كتابه Novum Organum: "التجريبيون مثل النمل، يجمعون الأشياء ويستخدمونها. والعقلانيون ينسجون الشِباك مثل العناكب. بينما الطريقة الأفضل هي طريقة النحل؛ وهي طريقة بين هذين النهجين، تعتمد على استخدام المواد المتوفرة بالفعل". نادراً ما تُستخدم منهجية بيكون اليوم. إذ تبيَّن أنَّها مُكلِّفة للغاية من ناحية الجهد والمال، ولم تكن تطبيقاتها التكنولوجية واضحة. ولكن، كانت صياغة منهجية للاكتشاف العلمي في هذا الوقت تقدماً ثورياً. فقبل هذا، كان العلم تجريدياً، مقصوراً فقط على قلة من المثقفين والعلماء الأرستقراطيين. وبرفض سلطة اليونانيين القدامى وتحديد خطوات عملية الاكتشاف العلمي، وضع بيكون مخططاً يمكن من خلاله لأي شخصٍ مهما كانت خلفيته وأصوله أن يصبح عالماً.

كشفت أفكار بيكون الرائدة كذلك حقيقةً هامة، وهي أنَّ عملية الاكتشاف العلمي بطبيعتها منهجية. فهي نتيجة عدد محدود من الخطوات التي تُكرَّر حتى تُكشَف نتيجة ذات مغزى. استخدم بيكون بوضوح كلمة "machine" أو "آلة" في وصف منهجيته. وتتضمن منهجيته العلمية ثلاث خطوات أساسية: أولاً، يجب أن تُجمَع الملاحظات وتُدمَج في مجموع المعرفة. ثانياً، تُستَخدَم الملاحظات الجديدة لوضع فرضيات جديدة. ثالثاً، تُختَبَر الفرضيات باستخدام تجارِب مُصمَّمة بعناية. إن كان العلم منهجياً، إذاً لابد وأنَّه قابل للأتمتة.

استعصى هذا الحلم المستقبلي على علماء تكنولوجيا المعلومات والحاسب لعقود، ويرجع ذلك بشكلٍ كبير إلى أنَّ الخطوات الثلاثة الأساسية للاكتشاف العلمي لها مساراتٍ مختلفة. فالملاحظة عملية حسية، ووضع الفرضيات عملية عقلية، والتجريب عملية آلية. وستتطلب أتمتة عملية الاكتشاف العلمي تضمين الآلات بشكلٍ فعَّال في كل خطوة، وتغذية بعضها البعض في كل خطوة دون تعارُض. ولم يكتشف أحد حتى الآن كيفية فعل ذلك. أُحرِزَ أكبر قدرٍ من التقدم في خطوة التجريب. فعلى سبيل المثال، أصبحت صناعة الأدوية تستخدم منصات آلية عالية الإنتاجية لتصميم الأدوية. وتعمل شركاتٌ ناشئة مثل ترانسكريبتيك وإيميرالد كلاود لاب حالياً في كاليفورنيا على بناء أنظمة لأتمتة جميع المهام الجسدية التي يقوم بها علماء الطب الحيوي تقريباً. وأصبح يمكن للعلماء تقديم تجاربهم على الإنترنت، حيثُ تُحوَّل إلى أكوادٍ وبرامج تُغذَّى بها منصات روبوتية تُنفِّذ مجموعة من التجارب البيولوجية. تُلائم هذه الحلول بشكلٍ أكبر التخصصات التي تتطلب عمليات تجريب مُكثَّفة، مثل البيولوجيا الجزيئية والهندسة الكيميائية، لكن يمكن تطبيق أساليب مماثلة في التخصصات الأخرى التي توجد فيها كميات هائلة من البيانات، وحتى في التخصصات النظرية.

وضع الفرضيات بشكلٍ أوتوماتيكي ما زال أقل تطوراً من الخطوة السابقة في الوقت الحالي، لكنَّ عمل العالِم الأميركي دون سوانسون في ثمانينيات القرن الماضي كان خطوةً هامة إلى الأمام في ذلك الشأن. أوضح سوانسون وجود روابط مستترة بين أفكارٍ غير مرتبطة ببعضها في الأوراق والمؤلفات العلمية؛ مستخدماً إطار منطقي استقرائي بسيط، تمكَّن من ربط أوراقٍ علمية من مجالاتٍ مختلفة ببعضها البعض رغم عدم وجود تداخل بينها في الاقتباسات. بهذه الطريقة، استطاع سوانسون افتراض وجود علاقة جديدة بين زيت السمك المُستخدَم في الحميات الغذائية ومتلازمة رينود، دون إجراء أي تجارب أو امتلاك أي خبرة في المجالين. بينما المقاربات الأخرى الأحدث، مثل جهود الباحثين أندريه رزيتسكي في جامعة شيكاغو وألبيرت لازلو باراباسي في جامعة نورث إيسترن، تعتمد على وضع النماذج الرياضية ونظرية البيان. يدمج هؤلاء مجموعات كبيرة من البيانات تُخطَّط فيها المعرفة كشبكة، العقد فيها هي المفاهيم، والروابط بين العقد هي العلاقات بين تلك المفاهيم. وبالتالي تظهر الفرضيات الجديدة كروابط غير مُكتَشَفة بين العقد. الخطوة الأكثر صعوبة في عملية الأتمتة هنا هي كيفية جمع ملاحظات علمية يمكن الاعتماد عليها على نطاقٍ واسع. لا يوجد في الوقت الحالي بنك بيانات مركزي يحمل في داخله كامل المعرفة العلمية الإنسانية على مستوى الرصد والملاحظة.

بالفعل تطورت تقنيات معالجة اللغات الطبيعية إلى حد أنَّها تستطيع آلياً استخراج السياقات وليس فقط العلاقات من الأوراق العلمية. لكنَّ كبار ناشري الأوراق العلمية وضعوا قيودَ صارمة على عمليات التنقيب في النصوص. والأهم من ذلك، لغة الأوراق العلمية عادةً ما تكون متحيزة لتأويلات العالِم (أو سوء فهمه)، وتحتوي على مفاهيم ومنهجيات معقدة ومركبة من الصعب استخراجها وتحديدها. ومع ذلك، فإنَّ التطورات الأخيرة في علوم الحاسب وقواعد البيانات الشبكية تجعل منهجية بيكون عملية للمرة الأولى في التاريخ. وحتى قبل التمكن من أتمتة عملية الاكتشاف العلمي، فإنَّ تبنِّي منهجية بيكون يمكن أن يكون مفيداً في الوقت الذي وصل فيه تبسيط المفاهيم والاكتشافات العلمية واختزالها إلى أقصاه.

لا تستطيع العقول البشرية ببساطة إعادة بناء الظواهر الطبيعية شديدة التعقيد بالكفاءة المطلوبة في عصر البيانات الضخمة. ويمكن لنسخةٍ حديثة من منهجية بيكون تتضمن أفكار التبسيط والاختزال عبر التنقيب في النصوص وتُحلِّل هذه المعلومات باستخدام نماذج حسابية استقرائية أن تُغير فهمنا للعالم الطبيعي. ستمكننا منهجية كهذه من وضع فرضيات جديدة أقرب إلى الصحة، واختبار تلك الفرضيات، وملء الفراغات في المعرفة البشرية. ستذكرنا هذه المنهجية كذلك بأمر نحتاج إليه بشدة في الوقت الحالي، وهو أن نتذكر الصورة التي يُفترض أن يكون عليها العلم: عملية غير سلطوية، وليس لها حدود، نبحث فيها عن الحقيقة.

star إجابة مميزة

بينما تنمو المعرفة الإنسانية بوتيرة متسارعة يضيق تخصص العلماء كما لم يحدث من قبل، لقد انشطر التخصص الواحد لجزيئات دقيقة وكل جزئية تعمل عليها فرق العلماء والباحثين عبر العالم. كل تخصص أو فرع من العلوم أصبح مثل أحجية "puzzle" يعمل كل فريق من العلماء والباحثين على جزء واحد من أجزاءها المتعددة، وفي أحيان كثيرة يكون حل الكثير من الألغاز والمشاكل العلمية في تجميع أجزاء الأحجية معا من نفس التخصص أو مع فروع متباينة من العلوم.

العلم عمل تعاوني وأحيانا تقف هناك عقبات ومشاكل تمنع التعاون الفعال أو تُبَطّء منه، ومن هذه العقبات: تباين جنسيات العلماء وألسنتهم، والعدد الهائل من الأوراق البحثية التي يجب الاطلاع عليها. هنا يأتي دور تعلّم الآلات لدعم التواصل بين الباحثين، ومواجهة كميات هائلة من البيانات، واصطياد المهم وذي الصلة منها، وخلق علاقات جديدة قد تفتح آفاقا واسعة أمام العلماء والباحثين في نقاط البحث التي يعملون عليها.

هناك فئتان من برامج الحواسيب أو الخوارزميات: الخوارزمية العادية التي تُبنى لحل مشكلة محددة، وفئة أخرى من الخوارزميات والبرامج تستطيع التعلم من البيانات المتاحة لها لتصنع وتكتب خوارزميات جديدة حسب المشكلات المختلفة التي تواجهها، أي أن الحواسيب ستصبح قادرة على كتابة البرامج التي تحتاجها بنفسها من دون تدخل منا. وتمثل الخوارزميات القادرة على التعلم القلب النابض لمجال جديد وواعد وهو: تعلّم الآلات.

تقوم الآلات والبرامج القادرة على التعلّم بإنتاج الفروض، ثم اختبارها، ثم تنقيح الفروض أو إقصاء المرفوض منها. وهي نفس الطريقة التي يستخدمها العلماء والباحثون، وبينما قد يقضي أحد العلماء حياته كلها لاختبار بضعة مئات من الفروض، فإن الآلات والبرامج القادرة على التعلم تستيطع إنجاز المهمة في أجزاء من الثانية. تعلّم الآلة سيجعل من عملية البحث والاستكشاف عملية آلية وهو ما سيمثل ثورة علمية، وستفتح آفاقا واسعة لتقدم العلم بقفزات هائلة.


مصادر:

1- The Master Algorithm: How the Quest for the Ultimate Learning Machine Will Remake Our World: http://www.amazon.com/The-Master-Algorithm-Ultimate-Learning/dp/0465065708

للمزيد عن الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة:

رحلة البحث عن الخوارزمية الخارقة (الجزء الأول) http://www.syr-res.com/article/8967.html

رحلة البحث عن الخوارزمية الخارقة (الجزء الثاني) http://www.syr-res.com/article/9020.html

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات