ما هو سر هوس الناس بالمشاهير ؟

أنت تشاهد إجابة منفردة، يمكنك استخدام الزر المجاور لتصفح جميع الإجابات.

اطلع على جميع الإجابات

ليس في الأمر "سر" هى فقط ميكانزمات عمل الإنسان والميديا، وهذا ليس حكراً على المجتمعات العربية بالمناسبة، ففى عام 2003 اهتم الباحث الأمريكى داريل م. وست وجون أورمان بدراسة تأثير نجوم هيوليود على "الخيارات السياسية" للمواطنين الأمريكيين، وانتهى فى بحثه المطوّل إلى أنه أصبح لمشاهير هوليود "celebrity-hood" يدٌ طولي فى السياسة الأمريكية . وهو الأمر ذاته الذى توصلت إليه "نيسبت و ديولت" فيما يخص التأثير السياسي للمشاهير على السوشيال ميديا، حيث وجدوا أن آراء المشاهير السياسية تلعب دوراً محورياً فى اختيارات متابعيهم على الشبكات الإجتماعية، هذا التأثير يبلغ ذروته فى تلك الفترة التى يكوّن فيها الفرد قناعاته السياسية من البيئة المحيطة من حوله.

أريد هنا أن أحكى موقف حقيقي عشته قبل عشر سنوات بالتقريب، كنت فى صحبة بعض الزملاء لـزيارة "منطقة عشوائية" بأحد ضواحى القاهرة لإعداد تقرير حول نجاح أحد الجمعيات الخيرية فى إدخال المياه النظيفة إلى تلك المنطقة بدلاً من مياه الصرف الملوثة، المنطقة التى تكاد تخلو من كل الخدمات الرئيسية ويعيش ساكنيها فى فقر المال وقلة الحيلة، حتى أن بعض البيوت لا تجد جداراً رابعاً يسترهم ، هذه البيوت نفسها لم يكد يخلو بيتٍ فيها من تلفزيون و "وصلة دش" والذى كان وقتها أمر عزيز، وفي الغالب كانت تلك " الوصلات" غير قانونية، كما وصلات الكهرباء أيضا! المشهد الذى لا يغيب عن بالي أبداً، كانت تلك السيدة التى زرناها لنحدد معها إجراءات إدخال المياه النظيفة إلى بيتها، فحدثتنا بنصف انتباه وبقيتها مع المسلسل المعروض على شاشة التلفاز الصغيرة فوق منضدة متهالكة، شعرت حينها أنها لو تملك أن تعتذر منا لأن الوقت غير مناسب، لفعلت !

دعنا هنا نسأل سؤالاً سابقا على سؤال الهوس بالمشاهير، لأن الإجابة عليه ستكون مدخلا هاما لتحليل السؤال والإجابة. ما الذى يجعل تلك السيدة\ يجعلنا جميعاً نلتفت عن قضايانا الحياتية لصالح قضايا لا تعبر عن أولوياتنا بالضرورة ؟ ما الذى يجعلني - على سبيل المثال - اهتم بقضايا المثلية رغم أنها لا ترتبط بواقعى المعاش، أو ما الذى يجعلنى انغمس فى نقاش حاد حول الشواطىء المفتوحة رغم أنى لا أعرف مكانها من الأصل ؟ بطبيعة الحال لا أقصد هنا "التقليل" من حجم المشكلة، لكن أعنى "ترتيبها" فى قائمة أولويات القضايا التى تشغلنى ومن ثمّ تشغل المجال العام من حولي . الإجابة هي : " الواقع الإفتراضي" الذى تخلقه وسائل الإعلام، فأىّ شاشة - بدءاً من شاشة السينما وانتهاءً بشاشة الموبايل - تعمل على " إنشاء" واقع افتراضي، متخيّل، يديره القائمين على تلك الوسائل ومموليها، هذا الواقع له أجندة قضاياه ومواضيع اهتماماته، وفى حال المجتمعات العربية، حيث غالبها يعيش أوضاعاً سياسية وإجتماعية متردية، فإن وسائل الإعلام قد تعمد إلى تقديم واقع مغاير لحال الناس ومعيشتهم وقضاياهم الحقيقة، وفى العادة "يحب" الناس الغرق في هذا الواقع المرسوم عبر الشاشة عِوضاً عن واقعهم الذى لا يملكون تغييره أو الهروب منه - على الهامش هنا يمكننا أن نفسر لماذا هذه المتابعة المكثفة لمسلسل أرطغرل رغم المبالغات غير المنطقية فى أحداثه وأبطاله، أيضاً من الملف للانتباه أنه بينما تزداد الحالة الإقتصادية سوءاً فى واقعنا المعاش تتجه المشاهدات التلفزيونية بشكل أكبر نحو الأعمال الدرامية التى تعالج قضايا القصور الفارهة وساكنيها - إذا، وبناءً على ذلك، فإن هذا الواقع الافتراضي لا يُبنى من فراغ، بل من أشخاص يملئونه، هؤلاء من نطلق عليهم " مشاهير\ نجوم" ومن هنا يكون تعلّق الناس بهم، لأنهم جزء من ذلك الواقع الذى يهربون إليه، ويسعون للإنتماء إلى صورته المتخيلة فى أذهانهم عنه، بصورة أخرى هم لا يرتبطون بـ"المشاهير" لذواتهم ولكن للصورة المتخيلة فى أذهانهم عنهم.

الأمر الثاني متعلق بالرغبة الإنسانية بالتواجد فى "دائرة الضوء"؛ فلا يجوز مثلاً أن تتواجد فى تجمع ما ولا تعرف اسم الفنان الفلاني، أو الفاشونيستا العلانية، هذا يجعلك خارج دائرة المجموع واهتماماتهم، وبالتالي تصبح المتابعة والاهتمام ليس لرغبة حقيقية أو فائدة جادة تعود عليك، وإنما لكى تظل قادراً على الوجود وسط "اهتمامات وحديث المجموع" . أخيراً، وبالعودة إلي شبكات التواصل الإجتماعى - والحديث فى مشاهيرها يطول - لكنها أيضا تخلق واقع افتراضي، فكل حساب شخصي هو واجهة " افتراضية" لما يحب كل شخص أن يكون عليه، أو الصورة التى يريد رسمها عن ذاته، ومشاهير السوشيال ميديا تتقن ذلك بالتأكيد، ويزيد من فرصهم طبيعة تلك المنصات التى تقوم بالأساس على " التفاعل الشخصي" فهى تجعل التواصل مع هؤلاء "النجوم" متاحاً، ويأخذ طابع حميمى أيضاً مما يزيد من هذا الارتباط .

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات