ما أثر أوضاعنا المادية على شكل علاقاتنا الاجتماعية؟

محمود هدهود
محمود هدهود check_circle
قبل سنة

يشتهر في سوق العمل في الولايات المتحدة تعبير "McJobs" كإشارة إلى تلك الوظائف ذات الرواتب المتدنية والأمان الوظيفي القليل جدا. يعمل كثير من الشباب في المجتمعات الحديثة، سواء الأوروبية أو الأمريكية، أو حتى المجتمعات العربية، في وظائف من هذا النوع، كخدمة توصيل الطلبات إلى المنازل. قد لا يظهر هؤلاء في الإحصاءات كبطالة، ولكنهم في الحقيقة يفتقدون حق العمل، إذ لا يحصلون على مقابلات جيدة، ولا مكانة لائقة، ولا حتى أمان وظيفي يضمن بقاء هذا الدخل القليل.

لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن هؤلاء ليس بإمكانهم التمتع بعلاقات مستقرة، سواء علاقات أسرية أو علاقات عمل. يظهر ذلك أن اتخاذ علاقاتنا الاجتماعية شكلا جديدا أكثر سيولة ليس مجرد تعبير عن مزيد من التحرر من الثقافة الاجتماعية الأبوية أو السلطوية، أو كما يرى محللون آخرن، ثقافة استهلاكية شهوانية؛ بل هو أيضا تعبير عن أنظمة اجتماعية مادية تفقدنا القدرة على بناء علاقات اجتماعية. يمكننا رصد عدة مظاهر لذلك.

(1) افتقاد الأمان الوظيفي:

شهد العالم منذ السبعينات تحولا اقتصاديا أطلق عليه بعض علماء الاجتماع (آلان تورين 1971، دانيال بيل 1976) "المجتمع ما بعد الصناعي Post-industrial Society" .1 يعني ذلك صعود قطاع الخدمات اقتصاديا (كالنقل والميديا والمطاعم) على حساب القطاعات الصناعية (صناعة السيارات مثلا) من حيث الأرباح، وكان قد سبق ذلك بعقود، صعود قطاع الخدمات من حيث التشغيل (عدد العاملين في القطاع).

صاحب ذلك التحول ظهور طبقة اجتماعية جديدة أطلق عليها أستاذ دراسات التنمية الإنجليزي جاي ستاندينج Guy Standing (2011): "البريكاريا Precariat"، وهم هؤلاء الذين يفتقدون الأمان الوظيفي والوظائف اللائقة. أصبح الوصول إلى وظائف لائقة وضمان المكانة الوظيفية يحتاج إلى مؤهلات صعبة، وقد تكون استثنائية.2

يضاعف من خطورة تلك الظاهرة تضاعف القوة العاملة المعروضة بعد اتساع نطاق الاستثمار على صعيد عالمي، مما يدفع الحكومات إلى خفض التزامات رواد الأعمال تجاه العمال. يظهر ذلك في مقترح الحكومة الفرنسية مؤخرا خفض سقف التعويضات جراء الفصل التعسفي.

لا يعني افتقاد الأمان الوظيفي عدم استقرار حياة الشخص وافتقاده القدرة المادية على تأسيس علاقات طويلة، وإنما أيضا تكوين نمط من الشخصية ضعيف الثقة بالنفس، شديد التوتر، وارتفاع الشعور بالاغتراب عن المجتمع والحنق عليه. وهي ظواهر لا تدفع بحال باتجاه تحرير الفرد من سلطة المجتمع، بل إلى سلبه حياته الاجتماعية وتجريده من القوة أو كما يوصف علميا، يمسي مصابًا باغتراب افتقاد القدرة على الفعل الاجتماعي Powerlessness.

(2) نهاية الضمان الاجتماعي:

يتذكر كثير من العرب عقد الستينات، عندما كانت دولهم تلتزم بتوفير العمل للشباب، وكثيرا ما يكون هذا العمل مرتبطا بمحل إقامتهم الأصلي. لا يوفر ذلك الأمان المادي فحسب، وإنما يحافظ على علاقاتهم المرتبطة بالمكان، الصداقات والجيران والمعارف. كانت الدولة كذلك توفر التعليم المجاني، الخدمة الصحية العامة، أو التأمين الصحي باشتراك زهيد. عرف ذلك النوع من الدول بدولة الرفاه Welfare State.

بنهاية دولة الرفاه أو تدهورها، صار كثير من الشباب مضطرا إلى الهجرة، أو الانتقال إلى أماكن بعيدة عن محل سكنهم من أجل فرصة عمل. كذلك صار الزواج مخاطرة مادية، وارتفاع سن الزواج وتقليل عدد الأبناء. كما أدت الأزمات الاقتصادية المتتالية، كما حدث في الأزمة المالية العالمية، إلى تفكيك الأسر لأسباب مادية وارتفاع نسب الطلاق. كذلك أدى ذلك إلى خروج المرأة إلى العمل، وحصولها على استقلالية أكبر، وتراجع دور الأسرة التربوي أيضا نتيجة انشغال الأبوين.

وجهة نظر أخرى: ترى الناقدة الأمريكية نانسي فريزر أن دولة الرفاه دعمت اقتصاديا نوعا معينا على من العلاقات الاجتماعية هو المقبول اجتماعيا، بينما رفضت أشكالا أخرى من العلاقات كالعلاقات المثلية. كما أن توفير عائد مادي مقبول للعائل الذكر قلّل من حاجة المرأة للخروج إلى العامل، وحافظ بالتالي على خضوعها للزوج .3

يمكن أن نرى الأمر نفسه في الخلاف حول الإجهاض، فدولة الرفاه في صيغتها الكلاسيكية لم تجعل الإجهاض ضمن الخدمة الطبية المجانية التي تقدمها، وهو ما يقلل سهولة خوض علاقات جنسية خارج الزواج (تنتج تلك العلاقات حملا، ولكونها علاقات غير مستقرة، فإن أحد الطرفين أو كليهما قد لا يرحب بالمولود المنتظر).

(3) تمدد الدولة على حساب الأسرة:

في عمله المثير للجدل "الملاذ في عالم لا يرحم: الأسرة تحت الحصارHaven in a Heartless World: The Family Besieged" (1977)، يذهب المؤرخ والناقد الأمريكي كريستوفر لاش إلى أن دولة الرفاه تحت شعار العناية بالطفل وصحته، حاولت أن تجرد الأسرة عبر مؤسسات الخدمة الاجتماعية من دورها في تنشأة الطفل باعتبارها الأداة الأساسية للتنشأة الاجتماعية Socialization. فالحضانة والمدرسة ووحدات الرعاية الصحية والرقابة القانونية على معاملة الآباء لأبنائهم وصولا إلى استشاريي العلاقات الزوجية، كل هؤلاء يجردون الأسرة من دورها . 4

تعرضت أطروحة لاش إلى النقد من حيث أن تلك المؤسسات تقوم بدور اجتماعي ضروري لا يحل محل دور الأسرة. إلا أن تلك الأطروحة تلفت نظرنا إلى أن الأسرة بدأت تفقد بالفعل كثيرا من أدوارها في التوجيه والتنشأة لصالح الميديا أو المشاهير أو وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا، وهي كلها وسائل غير مأمونة للقيام بهذا الدور، كما أنها تنزع الشخص من وسطه الحميم إلى وسط مصطنع وافتراضي ولا يكوّن معه علاقات مباشرة.

في هذه الحالة أيضا، لم تكن هشاشة العلاقات في الأسرة وليدة تحرر الفرد من السلطة الأبوية، بل وليدة تطور ينتزع الفرد من محيطه الطبيعي ومن حياته الاجتماعية الفعلية.

[1] Bell, Daniel (1976) The Coming of Post-Industrial Society. Basic Books.

[2] Standing, Guy (2011) The Precariat: The New Dangerous Class. Policy Network.

[3] Fraser, Nancy (1994) After the Family Wage: Gender Equity and Welfare State. Political Theory.

[4] Sonya Leigh Scott, The Emergence of Narcissism in American Culture: The Lamentations of Christopher Lasch in the Culture of Narcissism.

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات