ما دور التاريخ في خطاب الأيديولوجيا؟ والعكس


في كتابها «استغلال التاريخ والتلاعب به» تروي المؤرخة الكندية مارغريت ماكميلان مناقشة دارت بين مواطنين أمريكيين عشية أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، إذ سارع الأول إلى تشبيه تلك الأحداث بهجمات بيرل هاربر ، التي شنها اليابانيون على الأسطول الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية؛ سأله الثاني: وما هي بيرل هاربر؟، فأجاب: «كان ذلك حين قصف الفيتناميون الأسطول الأمريكي فبدأت بذلك حرب فيتنام». 

حاول الأول إذا تطويع التاريخ لخدمة الصورة التي يحاول رسمها للحظة الحاضر، وهي مسألة تتكرر كثيرا في ميدان السياسة خصوصا، وفي كل الميادين عموما كما تروي ماكميلان. ستحاول السطور التالية الإجابة على سؤال: كيف يمكن أن تؤثر قراءتنا للتاريخ على رؤية الواقع؟ فبينما نعيش جميعًا الواقع نفسه، إلا أن رؤيتنا له تختلف من شخص إلى آخر. وكل تيار سياسي أو ديني يقدم لأتباعه رؤية مختلفة للواقع ضمن منظومة كبيرة للأفكار تسمى اصطلاحا «الأيديولوجيا ».

 فما الدور الذي يمكن أن يلعبه التاريخ في خطاب الأيديولوجيا، وكيف تؤثر قراءتنا للتاريخ على رؤيتنا للواقع واستجابتنا تجاه حوادثه؟ 

يمكن تعريف التاريخ بأنه دراسة للتطور البشري في جميع جوانبه، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية، أيا كانت معالم هذا التطور وظواهره؛ فحين نتحدث عن كتابة التاريخ وقراءته، نذهب إلى ما هو أبعد من سرد حوادثه وحكاياته لمجرد التسلية بل نرمي إلى إيجاد قراءة لتلك الأحداث في سياقها الأوسع اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا، وربطها بما تقدم وما تأخر من الأحداث، لتظهر لنا في النهاية سردية تاريخية على قدر من التماسك. وتحتل النظرية التاريخية مساحة محورية من خطاب الأيديولوجيا، فالأيديولوجيا تطرح نفسها كنسق فكري ومعرفي متكامل يقدم إطارا تفسيريا كونيا لكل شيء، ولذلك فهي بحاجة إلى التاريخ لتثبت شموليتها، ولتثبت أن الحاضر الذي تتعامل معه لم ينبت إلا من رحم هذا التاريخ. ولأن التاريخ حمال أوجه، فإن كل أيديولوجيا تتخير الرواية التاريخية التي تناسبها وتعضد طروحاتها. أي أن التاريخ يلعب دورًا وظيفيًا هامًا في خطاب الأيديولوجيا، فالرواية التاريخية، باعتبارها الدليل الحي على صدق الطرح الأيديولوجي؛ تُسوَّق ذلك الدليل الذي يهبط بالطرح من سماء الفكر المجرد ليدّعي لنفسه وجودا ملموسا في أرض الواقع؛ إذ يبث الاستدلال بالتاريخ الحياة في النظرية الأيديولوجية، ويحيي الكلمات والأفكار لتتحول إلى سلوكيات ومشاعر لدى الجمهور المتلقي، ويمد الفكرة الأيديولوجية بالطاقة اللازمة للانتشار وسط المجموع البشري غير القادر على التفاعل مع محض مصطلحات تجريدية غريبة للغاية على مسامعه.



يمكن مطالعة مادة بعنوان: كيف تؤثر قراءتنا للتاريخ على رؤيتنا للواقع؟


 


مراجع للاستزادة:

- الغد. «استغلال التاريخ والتلاعب به»، 29/7/2009.

- أندرسن، بندكت. (2014). «الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها»، ترجمة: ثائر ديب، المركز العربي للدراسات والأبحاث.

- سلطان، جاسم. (2005). «فلسفة التاريخ: الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ». مؤسسة أم القرى.

- طحطح، خالد. (2012). «الكتابة التاريخية»، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

- هيود، أندرو. (2012). «مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية»، ترجمة: محمد صفار، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر.

- مصدر الشخصيات والمصطلحات والأحداث: ويكيبيديا.

 

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات