لماذا يصعب علينا نسيان الذكريات المؤلمة؟

star إجابة مميزة
طارق عثمان
طارق عثمان check_circle
قبل سنتين

لا أحد بريء في هذا العالم، هيجل نفسه يزعم أن "وحدها الحجارة بريئة"، ويبدو أن الذاكرة ليست مستثناة من ذلك التعميم الذي يليق بواحد مثل هيجل، فهي، أيضا، لها "خطاياها"، وبالتحديد "سبع خطايا"، لو اتبعنا إحصاء دانيال تشاستر:  ثلاث خطايا مدرجة تحت عنوان النسيان (حيث تكون الذكريات مضمحلة أو موجودة لكنها تتأبى على التذكر)، وثلاثة آخرين مدرجين تحت عنوان التشويه (حيث تكون الذكريات موجودة ولكنها مشوهة، أي غير دقيقة)، أما الخطيئة الأخيرة من خطايا الذاكرة السبع، فهي لا تتعلق بما تنساه الذاكرة أو تشوهه وإنما بما تتذكره بالفعل هذه المرة، إنها خطيئة "الظلم"، لو جاز لنا القول؛ إن مملكة الذاكرة (كحال ممالك الدنيا) لا تقوم على العدل، إنها لا تعامل الذكريات على قدم المساواة، وإنما تقصي البعض، تهمشه، وأحيانا تمحيه كلية، فننساه، بينما تقرب البعض الآخر، تقويه وتبرّزه، فنتذكره رغما عنا (ومن هنا يسمي تشاستر هذه الخطيئة بالتذكر التطفلي، حيث تفرض علينا الذاكرة ذكريات بعينها، أحيانا تكون هي تحديدا التي نود أن ننساها). 

ومن تجليات هذه الخطيئة السابعة، أن الذاكرة لا تُعامل الذكريات السيئة والذكريات الحسنة بالمثل، إننا نتذكر (على الأغلب) الأحداث السيئة أكثر مما نتذكر الأحداث الحسنة، سواء فيما يتعلق بالتذكر من عدمه أو فيما يتعلق بدقة التذكر، بمعنى أن احتمال نسيان حدث حسن يزيد (غالبا) عن احتمال نسيان حدث سيء، وأننا نتذكر حدث سيء بشكل أدق وأكثر تفصيلا من تذكرنا لحدث حسن.  فالمرء قد ينسى اليوم الذي تزوج فيه صديق عزيز، ولكنه من العسير أن ينسى سماعه لخبر وفاة هذا الصديق، وقد يتذكر حضوره حفل زواج هذا الصديق على نحو عام، لكنه يتذكر يوم وفاته بأدق التفاصيل. ولكن ما السبب في ذلك؟ هل ثمة فائدة وعلة لذلك أم أن هذه الخطيئة (وباقي الخطايا) تعني أن الذاكرة معيوبة ببساطة، أن ثمة غلطة ما في تصميمها؟

 معلوم أن ثمة نوعين من الأسباب، أو مستويين من مستويات التحليل السببي عامة: الأسباب القريبة proximal causes والأسباب النهائية ultimate causes. يتعلق النوع الأول بالجواب عن سؤال كيف؟ ويتعلق الثاني بالجواب عن سؤال لماذا؟ يتعلق الأول بتحديد الميكانيزمات، بينما يتعلق الثاني بتحديد الغايات. علينا، إذن، أن نجيب على مسألتنا في كلا المستويين: لماذا نتذكر الأحداث السيئة أكثر من تذكرنا للحسنة؟ وكيف يحدث ذلك؟ والعادة أن يتم البدء بذكر الأسباب القريبة ثم الأسباب النهائية. 

لكي نفهم كيف تكون الذكريات السيئة أقوى وأدق من الذكريات الحسنة، علينا أن نفهم طبيعة العلاقة بين الذاكرة والإنفعالات (أو العواطف بالمعنى العام للكلمة) emotions. لو سأل المرء نفسه في نهاية كل يوم هذا السؤال: ما الذي تبقى بالضبط من اليوم في ذاكرته؟ في حالة الشخص الطبيعي، لن يكون الجواب هو أنني أتذكر اليوم بكل أحداثه وتفاصيله أي كانت، ولن يكون الجواب أنني لا أتذكر منه شيئا على الإطلاق، وإنما سيكون إنني أتذكر منه بعض الأحداث. فعمليا، ليس من المفيد أن يتذكر المرء كل ما يجري في اليوم من أحداث (معظمهما غير ذي بال)، وإنما تمارس الذاكرة ضرب من الانتقائية هنا، إنها تتذكر فقط الأحداث المهمة وتهمل ما سواها، والسؤال هو: كيف للذاكرة أن تفصل بين المهم وغير المهم؟ ما هو معيار تحديد الأهمية هنا؟ أي شيء يميز تلك الأحداث التي تتبقى في ذاكرتنا في آخر اليوم؟ هنا تحديدا يأتي دور الانفعالات: يمكن تصنيف الأحداث التي يمر بها المرء إلى نوعين: أحداث تسبب الاستثارة arousing (بالمعنى العام للكلمة وليس بالمعنى الجنسي، أي أنها تحدث تغيرا في الجسد في مستويات شتى)، كالأحداث التي تسبب الحزن، الفرح، الغضب، الخوف، القلق..إلخ.  وأحداث لا تسبب الاستثارة not-arousing (أي لا تحدث هذا التغيير). هذا التغيير الحادث في الجسد بشتى مستوياته الفسيولوجي والسيكولوجي والمعرفي والسلوكي، هو ما نطلق عليه اسم انفعال emotion. يمكن أن نعيد تصنيف الأحداث إذن إلى نوعين: أحداث مثيرة للانفعال أو أحداث انفعالية emotional وأحداث غير مثيرة للانفعال أو أحداث محايدة neutral.  وهذا هو معيار تحديد أهمية الأحداث بالنسبة للذاكرة: الأحداث المثيرة للانفعال هي الأحداث المهمة الجديرة بالتذكر، بينما غير المثيرة للانفعال هي الأحداث غير المهمة الجديرة بالنسيان. 

 ولكن ما هو الرابط بين الذاكرة كعملية عصبية معرفية وبين الانفعال؟ ما الذي يجعل الأحداث المثيرة للانفعال قابلة للتذكر مقارنة بالأفعال المحايدة؟ لنبسط الأمر بأقصى قدر ممكن كالآتي: تمر عملية تكوين الذاكرة عامة بثلاث مراحل رئيسية: التكويد encoding والتمتين consolidation و الاسترجاع retrieval)


وتزداد فرصة كل ذاكرة في أن تكون أقوى كلما تمت كل مرحلة من هذه المراحل بفاعلية أكبر. وثمة مكان أساسي في المخ (ضمن شبكة كبيرة طبعا من الأماكن) تتم فيه هذه العملية يُسمى بالـ hippocampus وثمة ناقل عصبي أساسي (ضمن نواقل أخرى طبعا) تعتمد عليه هذه العملية يُسمى بالـ noradrenaline .وكلما كان نشاط هذا المكان أعلى وكلما كانت تركيزات هذا الناقل العصبي فيه (وفي أماكن أخرى) أعلى كلما كانت الذاكرة قيد التكوين أقوى. وثمة مكان أساسي في المخ (ضمن شبكة كبيرة طبعا من الأماكن الأخرى) مسؤول عن تنظيم عملية الانفعال يسمى بالـ amygdala . وأيضا الناقل العصبي الأساسي (ضمن نواقل أخرى) الذي تعتمد عليه عملية الانفعال أو الاستثارة هو الـ noradrenaline. والفكرة هي أنه ثمة رابط بين هذين المنطقتين ال hippocampus المسؤولة عن الذاكرة وال amygdala المسؤولة عن الانفعال، بحيث أنه كلما كانت الثانية أكثر نشاطا كلما أدت إلى زياد النشاط في الأولى. إحدى السبل الرئيسية لتقوية ذاكرة ما، إذن، هي زيادة النشاط في ال amygdala ومن ثم زيادته في الhippocampus . والشيء الأساسي الذي يزيد نشاط الأولى هو أن يحدث ما يسبب استثارة في الجسد أي انفعال. كل حدث، إذن، من شأنه أن يتثير الانفعال يؤدي إلى زيادة الـ noradrenaline، وزيادة نشاط الـ amygdala، ومن ثمّ زيادة نشاط الhippocampus بالتبع، وبالتالي تقوية ذاكرة هذا الحدث.  هذا ما يجعل حظ الأحداث المثيرة للانفعال في ألا تنسى أكبر من حظ الأحداث غير المثيرة للانفعال. 


ولكننا نتحدث هنا عن الأحداث المثيرة للانفعال عامة بينما يتعلق سؤالنا بالأحداث السيئة تحديدا؟  تُقسّم الإنفعالات من حيث نوعية الأثر أو الشعور الذي تولده في المرء هل هو شعور بالالتذاذ أو بالنفور إلى نوعين موجب positive valence (الفرح، الحب، ...إلخ )، وسالب negative valence (الحزن، الخوف، الغضب، القلق،...إلخ).ومن ثمّ، تُقسّم الأحداث المثيرة للانفعال إلى أحداث حسنة (التي تولد انفعالا موجبا) وأحداث سيئة (التي تولد انفعالا سالبا). وما يعنينا هنا من بين الفروق الكثيرة بين هذين النوعين من الانفعال هو مقدار الاستثارة arousal المصاحب لكل منهما: الانفعالات السالبة أقوى تأثيرا من الانفعالات الموجبة بمعنى أن قدرتها على زيادة الـ noradrenaline و تنشيط الـ amygdala أكثر من قدرة الانفعالات الموجبة.  وبتنشيطها للـ amygdala تنشط الـ hippocampus ومن ثمّ الذاكرة التي تتكون عن الأحداث التي تولدها، تكون أقوى بمعنى أن نسيانها أقل احتمالا وتذكرها يكون أكثر دقة وتفصيلا من الأحداث التي تولد انفعالات موجبة. 

هذا هو إذن، باختصار، النوع الأول من الأسباب (القريبة أو التي تجيب عن كيف؟) التي تجعل من ذاكرة الأحداث السيئة أقوى من ذاكرة الأحداث الحسنة، الأحداث السيئة تثير انفعالا سالبا وتأثير الانفعال السالب على الـ amygdala أكبر من تأثير الانفعال الموجب، وتنشيط الـamygdala يؤدي إلى مزيد تنشيط في الـ hippocampus، ومن ثمّ تكوين ذاكرة أقوى للحدث. 

ولننتقل الآن للنوع الثاني من الأسباب (الأسباب النهائية، أو التي تجيب عن لماذا؟) :  لماذا يحدث أصلا كل ماسبق؟  لماذا لا ننسى الأحداث السيئة بسهولة مقارنة بالأحداث الحسنة؟ ثمة ما يشبه القانون أو المبدأ العام في السيكولوجيا يُعبر عنه عادة بـ bad is stronger than good أو السيء أقوى من الحسن (طوره روي باوميستر وزملاؤه)، وهو يعني، ببساطة، أن الآثار النفسية التي يخلفها السيء علينا أكبر من الآثار التي يخلفها الحسن، فهي تدوم أطول، وتأثيرها أشد كثافة ووطأة، وتبعاتها علينا أقوى، فعلى سبيل المثال: الأسى الذي نشعر به بسبب خسارة مبلغ من المال أثره أقوى من الفرح الذي نشعر به بسبب كسب نفس المبلغ، حزننا على خسارة صديق أشد وطأة من فرحنا لكسب صديق، ضيق المرء بسبب تعرضه للانتقاد أقوى أثرا عليه من فرحه بسبب تلقيه مدحا، المعلومات السلبية التي نسمعها عن شخص جديد علينا لها أثر في تكوين انطباعنا عنه أقوى من المعلومات الإيجابية التي قد نسمعها عنه، الأثر السلبي الذي يخلفه نقاش حاد وغاضب على العلاقة بين زوجين أشد قوة من الأثر الإيجابي الذي يخلفه قضاء وقت ممتع بالذهاب للسينما مثلا،...إلخ. والحال، أن الذاكرة تندرج تحت هذا القانون العام: الذاكرة السيئة أقوى من الذاكرة الحسنة، لأن السيء أقوى من الحسن عامة. 

والسؤال الآن، لماذا السئ أقوى من الحسن؟ يمكننا أن نجيب على هذا السؤال من خلال إطار سيكولوجي تطوري evolutionary psychological framework كالآتي: ما الذي يجعل سمة نفسية (أو ميكانيزم نفسيpsychological mechanism لو شئنا الدقة) ما موجودة دون أخرى؟ كون هذه السمة تمثل تكيّفا adaptation، أي أنها كانت على مدار التاريخ النوع البشري تساهم في حل مشكلة تطورية، أي مشكلة تؤثر على حياة الفرد و/أو على تكاثره. كل سمة نفسية كان من شأنها أنها تساعد على تعزيز حياة الأسلاف وفرص تكاثرهم تم، إذن، انتقائها وتوارثها مقارنة بالسمات الأخرى التي لا تفعل ذلك. والسؤال هنا، هل كون سمة تأثرنا بالسيء أشد من تأثرنا بالحسن تمثل تكيفا أم لا؟  لنفترض مثلا أن الروائح الكريهة ليست ذات أثر أشد علينا من أثر الروائح الطيبة. لو أن فردا جائعا ووجد طعاما ذا رائحة كريهة وهو ما يعني أنه طعام ملوث، وأكل من هذا الطعام بما أنه لا يشعر بسوء شديد بسبب رائحته، ما الخسائر المترتبة على ذلك؟ قد يمرض أو حتى يموت ببساطة. ولو افترضنا أن الطعام كان سليما ولم يأكل منه المرء بسب نفوره منه فما الخسائر المترتبة على ذلك؟ سيفوت قدر من الطعام يمكن أن يحصله بعد ذلك. قدر الخسائر المترتبة على التأثر الشديد بالرائحة الكريهة يفوق بمراحل قدر الخسائر المترتبة على عدم التأثر الشديد بها. ومن هنا، فإن شدة نفور الفرد من الرائحة الكريهة كانت أكثر أهمية فيما يتعلق بالحفاظ على حياته (وتكاثره بالتبع). ولنفترض مثلا أن أثر المعلومات السلبية على تكوين الانطباعات عن الآخرين ليس أقوى من أثر المعلومات الإيجابية. هب مثلا أن المرء قد سمع معلومة تفيد بأن فلان من الناس مخادع أو عدواني، ولم تترك هذه المعلومة أثرا في انطباع المرء عنه، ما الخسائر التي يمكن أن تترتب على ذلك؟ ممكن للمرء أن يدخل معه في تجارة ما فيتعرض للخداع ويخسر جميع أمواله. أو ربما يدخل معه في نقاش حاد فيؤذيه أو حتى يقتله بسبب عدوانيته. ولو افترضنا أن هذا الرجل لم يكن عدوانيا ولا خدّاعا بالفعل، ما الخسائر المترتبة على عدم الدخول معه في علاقة بسبب الانطباع السيء الذي كونه المرء عنه؟ سيضيع ربما فرصة مكسب ولكنها قد تعوض مع أي شخص آخر. قدر الخسائر المترتب هنا على عدم التأثر بشدة بالمعلومة السلبية أكبر بمراحل من الخسائر المترتبة عدم التأثر الشديد بها. تأثرنا الشديد بالسيء، إذن، ساهم بقدر أكبر في الحفاظ على حياة أسلافنا ومن ثم تم انتقاءه وتوارثه. 

ينطبق نفس هذا الإطار على الذاكرة: الأشياء السيئة التي لا ننساها هي غالبا أشياء تمثل بقدر أو بآخر تهديدا على حياتنا، ومن ثمّ، ينبغي الاحتفاظ بها في ذاكرتنا، حتى نتجنب قدر المستطاع التعرض لها بعد ذلك في المستقبل. نحن لا ننسى خسارتنا لصديق مقرب بسهولة حتى نتعلم كيف نحافظ على أصدقائنا فيما بعد. لا ننسى تعرضنا لحادث سيارة، حتى نتعلم أن نكون أكثر حرصا في قيادتنا. لا ننسى تعرضنا للغش من شخص ما بسهولة، حتى نكون أكثر حصافة فيما بعد ونتجنب تكرار ذلك. وفي المقابل أي ضرر قد يترتب من نسيان الأشياء الحسنة؟ ما الضرر المترتب على نسيان المرء حفلة تخرجه أو يوم زواجه؟ لا شيء تقريبا، على الأقل مقارنة بالضرر المترتب على نسيان المرء بسهولة للأشياء السيئة.

 نحن لا ننسى الأحداث السيئة بسهولة، إذن، لأن السيء أقوى تأثيرا علينا دوما من الحسن، وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل البشر أقدر على الحفاظ على حيواتهم في هذا العالم. وهكذا، فإن ما اعتبرناه "خطيئة " في البداية، انتهى بنا الحال إلى اعتباره "فضيلة" من فضائل الذاكرة، وهذا هو الحال مع باقي الخطايا السبع، كلها لها وظائف تكيفية مهمة. إنها فضائل إذن حتى وإن بدت لنا في مظهر الخطايا.

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات