تبعًا لسؤالي عن مشكلة المعلومات وكثرتها، هل هناك أية وسائل ومنهجيات مُتَّبعة لتفادي تلك الأزمة؟

رابط سؤالي السابق: http://bit.ly/2hBkbHa

مصطفى طه
مصطفى طه check_circle
قبل سنتين

نعم، العديد من الهيئات والمنظمات، خصوصًا الجامعات، عملت مؤخرًا على إعداد مناهج ودلائل مبسطة لوضع منهجية سليمة للتعامل مع البيئة المعلوماتية وتفادي أضرارها قدر الإمكان. هذه المناهج تُعرف باسم information literacy، أو محو الأمية المعلوماتية، وهناك مناهج أكثر شمولًا لمصادر الإعلام والمعلومات كلها تُسمَّى باسم meta-literacy. (ومواقع EDX وCoursera توفر دورات تدريبية جيدة في هذا المجال).

طبعًا يجب التنويه هنا أنَّ ضبط مسألة التعامل مع المعلومات تجري في مسارين: 1- تنظيم التعامل مع عالم المعلومات من حيث الوقت والكمية، وهذا أمر راجع للسلوك وضبطه. والحديث عن الحاجة إلى الاستخدام المتزن للشبكات الاجتماعية ومواقع الإنترنت عمومًا كثير ومعروف، يتبقى فقط تطبيقه. ومن أفضل ما كُتِب في هذا المجال كتاب "الماجريات" للدكتور إبراهيم السكران رضي الله عنه. 2- تنظيم التعامل من الناحية التقنية في أثناء البحث عن المعلومات، وهو المسار الذي نقصده حينما نتحدث عن المنهجية، عملية واعية إرادية للبحث عن معلومات في أمرٍ بعينه. ويمكن بالطبع استخدام بعض ملاحظاتها لضبط استهلاك المعلومات العرضي أثناء التعامل مع الشبكات الاجتماعية وباقي مصادر المعلومات كما سنرى.

المناهج والأدوات التي تضعها المنظمات والجامعات والمكتبات المختلفة ربما تختلف في بعض التفاصيل، لكنَّها تشترك في خطوطها العامة، وفي الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها، والتي يمكن اختصارها في التالي: 1- نوع المعلومة أو صيغتها (مكتوبة، مسموعة، مرئية) لا يهم بقدر المحتوى نفسه، والإطار الذي تُقدَّم فيه، وجدوتها. 2- تعامل الإنسان مع المعلومات لا يجب أن يكون انطلاقًا من كونه مستهلك فقط، فهو منتج كذلك للمعلومات، ينشرها بعد معرفتها ويتعامل بها وينطلق منها وربما ينتج معلومات جديدة، ولهذا فهناك ضوابط لعملية الإنتاج كذلك متضمنة في تلك المناهج. 3- التعامل مع المعلومات هي مهارة كأي مهارة، تحتاج إلى التنمية والتدريب المستمر، وخاصةً لكون البيئة المعلوماتية سريعة التغيُّر. 4- عملية التعامل مع المعلومات عملية مرنة، وليست جامدة تنطلق من خطوة إلى أخرى، بل تتطلب مرونة وقابلية للتعديل المستمر.

تفاصيل منهجية التعامل مع المعلومات ربما تختلف من منهج لآخر، ولذا على سبيل المثال سنختار هنا المنهج الذي نشرته جامعة ولاية نيويورك في أميركا عام 2013. المنهجية في الكتاب المنشور تتكون من 7 مراحل، ولكن لغرض التبسيط ومراعاة السياق المختلف الذي نعيشه في عالمنا العربي، يمكن اختصار هذه في 4 خطوات: 1- تحديد السؤال والمعلومات المطلوبة ونطاقها. 2- البحث عن المعلومات وجمعها. 3- تقييم المعلومات. 4- استخدام المعلومات.

أولًا: تحديد السؤال والمعلومات المطلوبة ونطاقها:

هنا يبدأ الإنسان في تحديد سؤال البحث، السؤال المتعلق بالمعلومات التي يريدها، والحاجة المعرفية التي يسعى إلى إشباعها. وكذلك يُحدِّد حجم ما يعرفه عن الموضوع قيد البحث، ومدى تأكده مما يعرف. وأين يمكن له البحث عما يحتاج إلى معلومات.

مثال: إذا كان شخصٌ ما يشغله سؤالٌ بخصوص الكيفية التي تطرد بها المعاطف المقاومة للماء المطر. السؤال هنا هو عن الكيفية، السبب الذي يجعل خامة المعطف قادرة على طرد الماء وعدم امتصاصه. وحجم ما يعرفه ربما يكون متعلقاً بما رآه من تعامل المعطف مع الماء، فقد شاهد بنفسه المعطف يطرد الماء ولا يمتصه، وبالتالي هو متأكدٌ من ذلك. ربما يملك فكرةً أيضًا عن خامة المعطف، ويعتقد أنَّه من البلاستيك مثلًا، لكنه غير متأكد من ذلك، وبالتالي لا يمكن له بناء بحثه عن السبب على معلومةٍ غير أكيدة قبل التأكد من صحتها. ويقرر أخيرًا البحث مثلًا في موقع غوغل في مواقع تبسيط العلوم المختلفة.

فهنا كما رأينا يحدد الشخص السؤال، ومدى معرفته التي يمكن أن يبني عليها في بحثه.

ثانيًا: البحث عن المعلومات وجمعها: هنا يبدأ الشخص في تحديد بعض الأمور الهامة قبل الانطلاق في البحث. 1- ما هي الأداة الأفضل للبحث، موقع إلكتروني، محرك غوغل، أم سؤال صديق مُطلِّع وخبير بالأمر نظرًا لدراسته؟ 2- ماذا يمكن أن يكتب في خانة البحث عند البحث على الإنترنت؟ ما هي الكلمات المفتاحية التي ستوصله ‘إلى أفضل النتائج، هل سيتخدم مثلًا كلمة معطف مقاوم للمطر أم جاكيت مقاوم للمطر، وهل ستختلف النتائج؟ ماذا عن لغة البحث؟ هل نبحث بالعربية أم بالإنجليزية؟ وهو سؤال مهم نظرًا لمشكلة ندرة المحتوى العربي القيِّم. وطبعًا هنا تظهر الحاجة الملحة لفهم كيفية عمل محركات البحث، وكيفية استخدامها الاستخدام الأمثل واستغلال الخيارات المتقدمة في البحث.

ثالثًا: تقييم المعلومات التي جمعتها: هذه المرحلة ربما تكون الأهم، لأنَّها تحمل القدر الأكبر من المجهود وتتطلب القدر الأكبر من الاهتمام، فعليها تتوقف مدى جودة المعلومات التي جمعتها وصلاحيتها للاستخدام.

  • يجب أن يتوفر بدايةً فهم واضح لمصادر المعلومات المختلفة والفروق بينها، وكيف تختلف الشبكات الاجتماعية، ومواقع الأخبار، والمجلات، والأوراق العلمية، والكتب، كلها عن بعضها البعض من ناحية العُمق الذي تتناول به الموضوع ومراحل التدقيق التي تمر بها.

  • قبل الشروع في تقييم المعلومات التي جمعتها ومصادرها، اقضِ بعض الوقت في مراجعة ما وجدت، واقرأ العناصر الأساسية: المقدمات، والفهارس، والمراجع المستخدمة في المصدر.

  • يجب أيضًا فهم المعايير التي تُقيَّم على أساسها المعلومات ومصادرها: 1- الجودة: مدى دقة عملية إنتاج المعلومات بالمصدر (الأوراق العلمية مثلًا تخضع لتدقيق ومراجعة من باحثين، بينما مواقع الأخبار لا تخضع لعمليات مشابهة إلا عملية تحقق من المعلومات من قبل مكتب التحرير، وقلمَّا في عالمنا العربي تؤدَّى هذه المهمة). 2- الدقة: المحتوى المكتوب، وذكر المراجع، والأدلة على صحة المعلومات، واتساق المحتوى مع باقي المصادر 3- ملاءمة المصدر ومعلوماته لسؤال البحث 4- التحيز: اللغة والصور المستخدمة، وإهمال أدلة ومعلومات بعينها لصالح معلومات أخرى 5- السمعة: هوية الناشر، والمصدر، وسمعتهما في ما يتعلق بدقة معلوماتهما 6- المصداقية

  • في عملية التقييم، ربما نستعين باختبار CRAAP الذي وضعته جامعة كاليفورنيا: في هذا الاختبار، يسأل الشخص نفسه عدة أسئلة لتقييم مدى صلاحية المصدر ومعلوماته: 1- متى نُشِرَت المعلومات Currency: أ- توقيت نشر المعلومات، ودورة نشر المصدر ب- هل يتم تحديث المعلومات؟ 2- الملاءمة Relevance: أ- هل يحتوي المصدر على معلومات مناسبة لسؤالك؟ ب- هل تحتاج إلى كل المعلومات المنشورة به أم جزء منها فقط؟ ج- من هو الجمهور المُستهدف بالمصدر؟ د- هل المعلومات تؤيد فرضيتك أم تعارضها؟ وهل من الصواب استخدام معلومات مؤيدة لفرضيتك فقط وإهمال الأخرى؟ تذكرَّ كما قلنا أنَّك مستهلك ومنتج كذلك، فلا تكن متحيزًا 3- الناشر Authority: أ- ما هي مؤهلات الناشر؟ وتعليمه؟ وخبرته؟ ووظيفته؟ وانتماءاته؟ ب- ما هو المصدر؟ وسمعته؟ ومدى أهليته لنشر معلومات مشابهة؟ ج- هل للناشر أو المصدر مصلحة في نشر تلك المعلومات؟ 4- الدقة Accuracy: أ- هل مصادر المعلومات مذكورة؟ وهل يمكنك استخدامها للتأكد من صحة المعلومات؟ ب- هل المعلومات مُقدَّمة كحقائق، آراء، أم دعاية؟ ج- هل المعلومات خالية من الأخطاء الإملائية والنحوية؟ 5- الغرض Purpose: أ- ما هو غرض الناشر من كتابة المعلومات؟ نشرها؟ أم بيع منتج ما؟ أم المزاح؟ أم الترويج لوجهة نظر معينة؟ ب- هل يقدم المصدر وجهات النظر المختلفة بشأن الموضوع؟ ج- هل يتجاهل الناشر عمداً معلومات هامة تعارض رأيه؟ د- هل لغة الناشر رسمية؟ أم ساخرة؟ أم حماسية؟ ه- هل المعلومات مدعومة بأدلة؟

بهذا كون قد انتهت عملية تقييمك للمعلومات. بالطبع هذا ليس اختباراً يحتاج المصدر فيه لإحراز الدرجة النهائية، ولا ينبغي لمصدر واحد أن يفي بكل هذه المعايير، لكن عملية التقييم هدفها تحديد مدى صلاحية المصدر وكونه أكثر دقة من غيره.

رابعًا: استخدام المعلومات: هنا يأتي دورك كمنتج وناشر لما وجدت

  • ينبغي عليك تجنب المشاكل الأخلاقية المختلفة المتعلقة بمجال المعلومات، كالسرقة الأدبية، إذ لا ينبغي عليك استخدام معلومة أو جمل كاملة دون ذكر مصادرها أو قائلها (وبهذا تساعد أيضًا من يقرأ ما تنشر في التحقق مما كتبت والثقة أكثر في معلوماتك كمنتج)
  • تأكد من ذكر كافة المصادر والمراجع التي استخدمتها، ولا تتجاهل عمدًا معلومات مضادة لما تقول
  • اختر الوسيلة المناسبة لنشر معلوماتك بناءً على الجمهور المستهدف والهدف من نشرها.

بهذا تكون مراحل المنهجية قد انتهت، ولكن كما قلنا هي ليست خطوات تنتهي من الواحدة فتبدأ في الأخرى، ولكنها عملية مرنة تحتاج أحيانًا إلى العودة إلى الخلف خطوة أو اثنتان لتغيير السؤال، أو لإعادة تقييم مصدر ما، أو للبحث مرة أخرى.

وإن اقترن هذا بتنظيم التعامل مع عالم المعلومات من ناحية الوقت والكمية، ربما يحل هذا شِقَيّ المشكلة: الكثرة، وعدم الدقة.

بعض المصادر للاطلاع:

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات