ما هي مشكلة المعلومات وكثرتها؟ ما هو الضرر من تواجد كمية كبيرة من المعلومات وتعرض الإنسان لها؟

مصطفى طه
مصطفى طه check_circle
قبل سنتين

للوهلة الأولى، قد تبدو فكرة "الكثرة" أمرًا جيدًا في مقابل الندرة، ومقارنةً بصعوبة الوصول إلى المعلومات في الماضي قبل الإنترنت والسهولة النسبية في ذلك حاليًا، قد يبدو الأمر تطورًا مقبولًا ومرغوبًا فيه بالفعل. إلَّا أنَّ إدراك المشكلة يتطلب فهم الصورة بالكامل. نحتاج هنا إلى إدراك ملامح المشهد المعلوماتي الذي نعيشه. ومن المفيد هنا الاطلاع على ما كشفه مايك آيزنبرغ، عميد كلية المعلومات بجامعة واشنطن، في محاضرته عام 2012 على منصة TEDx. 

كشف آيزنبرغ أنَّ معدلات إنتاج المعلومات وتخزينها وسرعة نقلها في العالم ارتفعت بصورةٍ ضخمة في الفترة من 1450م، أي منذ اختراع الطباعة تقريبًا، وحتى 2010. ففي 2010، وصل معدل الإنتاج إلى 20000 حرف/ثانية، ومعدل التخزين إلى مليار حرف/بوصة مربعة، وسرعة نقل 250 كلمة من المعلومات وصلت إلى 3 مليون ميل/ثانية. 

طبعًا قد تبدو هذه تطورات جيدة، لكن عند مقارنة ذلك بقدرة الإنسان على الاستيعاب، وهي قدرة ثابتة لا تتغير مع ذلك التطور، وتصل فقط إلى 300 كلمة/دقيقة (وعالم النفس جورج ميلر كان قد نشر ورقةً علمية عام 1956 أفادت بأنَّ الإنسان لا يمكنه الاحتفاظ في ذاكرته العاملة سوى بـ7 معلومات فقط، وهو الأمر المعروف بقانون ميلر)، نُدرِك البعد الحقيقي للمشكلة. ففي الوقت الذي يتعامل فيه الإنسان مع قدرٍ هائل ومتزايد من المعلومات يوميًا، إمَّا على التلفاز أو الشبكات الاجتماعية أو الإنترنت عمومًا، فقدرة استيعابه لا تزداد لتتكيف مع ذلك. هناك فارق ضخم بين الإنتاج والاستهلاك إن صحَّ لنا أن نقول ذلك (طبقًا لإريك شميدت، المدير التنفيذي السابق لموقع غوغل، العالم في عام 2013 كان ينتج كل يومين نفس كمية المعلومات التي أنتجها منذ فجر التاريخ وحتى عام 2003!!).

 وبالإضافة إلى عدم قدرة ملكات الإنسان في الاستيعاب والفهم على التعامل مع هذا القدر يوميًا، إذ تُزاحِمه المعلومات بالفعل على كافة الوسائل التي يتعامل معها في عمله أو في وقت فراغه، فهذا التواصل المستمر مع عالم المعلومات له آثار ضارة على الإنسان، ويساهم أكثر في الإضرار بقدرته على الاستيعاب. إذ كشفت دراسة للمعهد الملكي للتكنولوجيا في ستوكهولم :أنَّ الاستخدام المُفرِط للشبكات الاجتماعية يتسبب في إصابة الإنسان بفقدان الذاكرة قصيرة المدى. 

وربطت كذلك العديد من الدراسات بين التعامل المستمر مع هذا القدر الهائل من المعلومات وبين إصابة الإنسان بالإجهاد والتوتر، حتى أنَّ هناك متلازمة معروفة باسم متلازمة الإجهاد المعلوماتي (IFS)، وتعني عدم القدرة على استيعاب أو إدراك المعلومات بشكل كامل عند التعرض المُكثَّف للمعلومات طوال الوقت، والإصابة بإجهاد ذهني وعقلي نتيجة لذلك. ويربط بعض الباحثون بالفعل التعرض المستمر للمعلومات بأعراض جسدية، كالصداع ومشاكل القلب والجهاز الهضمي وضغط الدم وغيرها. 

ومما يزيد الطين بلَّة أنَّ هذا مجرد شِق واحد من المشكلة، فهناك شِق آخر متعلق بدقة المعلومات التي نتعرض لها. عمليات إنتاج المعلومات لم تعد محكومة كما في السابق بآلية إنتاج وتدقيق ومراجعة تضمن دقة المعلومات المُنتَجة، والإنترنت ساحة مفتوحة، يمكن للجميع المشاركة بها، وهذا يُضيف إلى الكثرة ضررًا آخر، وهو الحصول على معلومات خاطئة أو مضللة أو متحيزة. وطبعًا عندما يقترن هذا بذهنٍ مُجهَد لا يجد الوقت لتحليل واستيعاب ما يتعامل معه من معلومات نتيجة لانهمارها عليه، يكون من الصعب على الإنسان إعمال عقله والتمييز بين المعلومات وبعضها وتجاهل الفاسد منها. هذا كله باختصار يضع الإنسان وذهنه ذي القدرة الاستيعابية المحدودة أمام قدر هائل متزايد من المعلومات لا يحتاجها كلها، ويجب عليه تقييمها ومصادرها وانتقاء النافع منها، وهي عملية كما ذكرنا تؤثر عليه سلبًا وتضر بصحته النفسية والعقلية والجسدية.

 ولهذا فالأمر يحتاج إلى تنظيم، وتعلُم المهارات المختلفة للتعامل مع المعلومات، والنظر بعين جديدة للعالم المحيط به وكيفية التعامل معه، والأهم من ذلك تغيير سلوكياته في التعامل مع الإنترنت والشبكات الاجتماعية. 


للمزيد الاطلاع على:

  1. محاضرة مايك آيزنبرغ على منصة TEDx 
  2. قانون ميلر
  3. علاقة الاستخدام المفرط للشبكات الاجتماعية بفقدان الذاكرة قصيرة المدى 
  4.  والقلق
  5. والسمنة 
  6.  وهذا تقرير من صحيفة الغارديان البريطانية يشرح فيه عالم الأعصاب دانيال ليفيتين أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت على كفائتنا

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات