كيف تؤثر الأيديولوجيا على قراءتنا للتاريخ؟

أنت تشاهد إجابة منفردة، يمكنك استخدام الزر المجاور لتصفح جميع الإجابات.

اطلع على جميع الإجابات

تحتل النظرية التاريخية مساحة محورية من خطاب الأيديولوجيا، فالأيديولوجيا تطرح نفسها كنسق فكري ومعرفي متكامل يقدم إطارا تفسيريا كونيا لكل شيء، ولذلك فهي بحاجة إلى التاريخ لتثبت شموليتها، ولتثبت أن الحاضر الذي تتعامل معه لم ينبت إلا من رحم هذا التاريخ. ولأن التاريخ حمال أوجه، فإن كل أيديولوجيا تتخير الرواية التاريخية التي تناسبها وتعضد طروحاتها.

 أي أن التاريخ يلعب دورًا وظيفيًا هامًا في خطاب الأيديولوجيا، فالرواية التاريخية، باعتبارها الدليل الحي على صدق الطرح الأيديولوجي؛ تُسوَّق ذلك الدليل الذي يهبط بالطرح من سماء الفكر المجرد ليدّعي لنفسه وجودا ملموسا في أرض الواقع؛ إذ يبث الاستدلال بالتاريخ الحياة في النظرية الأيديولوجية، ويحيي الكلمات والأفكار لتتحول إلى سلوكيات ومشاعر لدى الجمهور المتلقي، ويمد الفكرة الأيديولوجية بالطاقة اللازمة للانتشار وسط المجموع البشري غير القادر على التفاعل مع محض مصطلحات تجريدية غريبة للغاية على مسامعه.

 لنسرد مثالا حيا على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها قراءتنا الأيدلوجية للتاريخ على رؤيتنا للحاضر وتفاعلنا معه.

 

انطلق معنا بخيالك قليلا، أنت الآن في قاعة متوسطة المساحة، تحضر مع آخرين إحدى محاضرات فيلسوف ألماني لامع يُدعى كارل ماركس ، وهو يدعي أن ما سيقوله بخصوص حياة الناس في هذا العالم، يستحق الإنصات. يمضي ماركس في سرد أطروحته، مستعرضًا التاريخ البشري منذ إنسان العصر الحجري، يقسم التاريخ إلى فترات، بداية «عصر المشاع البدائي» حيث كان الإنسان يعيش مطلقا بلا قيود، يأكل ويشرب بالقدر الذي يحتاجه، ويتنقل في ربوع الأرض بحرية تامة، لا ملكيات خاصة، لا سرقات، ولا تعقيدات من أي نوع.

 يستمر ماركس في توضيح نظريته التاريخية لك ولبقية المستمعين، فيروي أنه تدريجيا جرى إدخال تعديلات على النظام الاجتماعي، إذ سيطر البعض على الأرض، واستعبدوا البعض الآخر للعمل بها، فيما يحصدون هم ثمار ذلك المجهود الشاق، ولم يعد كل الناس سواسية بل سادة وعبيد، تطور ذلك لاحقا إلى عصور من الإقطاع، ومع مجيء الثورة الصناعية وحلول المصانع الكبيرة والتجارة محل الزراعة والحرف المهنية، انقسم الناس إلى طبقة برجوازية (أصحاب رؤوس الأموال وملاك المصانع) وبروليتاريا (طبقة عاملة)، وفي كل تلك المراحل التاريخية - يخبرك ماركس - كان هناك صراع دائم بين الطبقات العليا والدنيا، صراع يرى ماركس استمراريته إلى أن تعود البشرية إلى سيرتها الأولى، مجتمع المشاع مرة أخرى. 

بناء على القراءة الماركسية للتاريخ، فإن ما عليك فعله الآن هو أن تسعى جاهدا لنشر الوعي لتثوير الطبقة العاملة، وغالبا ستغدو أحد الدعاة المخلصين للعودة للنقاء البشري الأول، ذلك النقاء الذي تم تلويثه عبر سنوات التاريخ الطويلة. بهذا الشكل تم تحديد ما عليك عمله بإزاء الواقع الذي تعيشه، وما هو جيد فيه وما هو سيئ، بحسب الرؤية الماركسية للتاريخ، والتي تعرف بـ «بالمادية التاريخية»، وبناء على ذلك يمكن أن نقول إنك قد أصبحت "شيوعيا"! 

تخيل مرة أخري أنك تعيش في بدايات القرن الماضي، حين كان الصراع محتدمًا بين الدولة العثمانية المشرفة على الاحتضار، وبين القوميين العرب الساعين إلى الخروج عن طوع العثمانيين بعد قرون من العيش في ظلهم. يخبرك أحد القوميين بأن الماضي القريب لم يكن إلا عصرا لاستعباد العرب، واستلاب موارده لصالح الأتراك. بناء على هذه القراءة، يصبح ما هو مطلوب منك أن تغادر من فورك وتقرر حمل السلاح دفاعا عن قومك العرب ضد "الغرباء الأتراك". في حين أنك لو تريثت قليلا لتحاور أحد المتحمسين لإسطنبول، ستسمع قصصا وحكايات عن كيف كانت القرون السابقة عزة للإسلام والمسلمين، ومثالا لانصهار العصبيات القومية بين العرب والأتراك تحت راية الإسلام الموحدة، وحينما تتملك تلك الرؤية التاريخية قلبك وعقلك تماما، ربما تصبح حينها أحد المدافعين عن العثمانيين في وجه القوميين العرب الذين يريدون «التمرد» على الدولة العثمانية الأم. 

في الحالتين غيرت رؤيتك للتاريخ نظرتك للحاضر، ودفعتك دفعا إلى مسالك محددة سلفا بخطاب الأيديولوجيا.


المزيد في مادة بعنوان: كيف تؤثر قراءتنا للتاريخ على رؤيتنا للواقع؟  من موضوع متعدد التخصصات بعنوان: هل يخبرنا التاريخ بما حدث بالفعل؟

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات