هل النمط العمارني للمنازل يؤثر على العلاقات الاجتماعية؟

عمار السيد
عمار السيد check_circle
قبل سنتين

في دراسته المعنونة بـ «السياسة العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب»، يطرح الدكتور عبد الرحمن الرشيق مسألة العلاقة بين أشكال المساكن وأنماط الاجتماع السائد في المغرب على مدى عصور متتالية؛ على سبيل المثال خلال الحقبة الاستعمارية، حين سكن المغاربة والأوروبيون المستعمرون معًا مدينة الدار البيضاء، كان النمط الاجتماعي السائد بينهما هو النمط الانعزالي، بسبب الاحتقار المتبادل، وانعدام الاتصال بين تلك المجموعات الاجتماعية المتنافرة، وهو ما انعكس عمرانيًا في إقامة فوارق وحدود مجالية -وإن كانت غير مرئية- بين الفضاء السكني الخاص بالمغاربة والمدينة السكنية التي كان يقطنها الأوروبيون، وكانت السياسة التخطيطية آنذاك تسعى إلى تأكيد هذا الطابع التمييزي، فتُحرص على تقسيم المدينة أثناء مرحلة التصميم إلى مناطق وظيفية تترجم الفوارق العرقية بالدرجة الأولى ثم الفوارق الاجتماعية. [1] بالقياس، يمكن النظر بعين السوسيولوجيا إلى مسألة انتشار المجمعات السكنية المغلقة «الكومباوندات»)كمظهر عمراني لحالة القطيعة الاجتماعية التي تسود بين الطبقات القادرة والطبقات الفقيرة في البلاد، إلى درجة وصف البعض لها بالـ«مستوطنات الجديدة»، أو «المحميات البشرية» لفرط عزلتها.[2]


مثال آخر في دراسة الرشيق، هو حي «الأحباس» التاريخي في مدينة الدار البيضاء المغربية، إذ كان يقطنه فئات الأعيان والبرجوازية المحلية، والتي كانت تفضل مبدأ «الحميمية الأسرية» أي الإبقاء على الأسر في مساكن كجزر منعزلة ومنطوية تماما وبلا مجال عام. فكانت الأزقة ضيقة عن عمد لتجنب مرور السيارات، وأبعدت كل المرافق الاجتماعية والثقافية والخدماتية وفضاءات الترفيه وكل ما من شأنه أن ينمي المؤانسة أو يجلب الغرباء إلى الحي. أما المنازل نفسها، فقد كانت «عمياء» بلا نوافذ، إلا ما كان مطلا منها على واجهات الشوارع الرئيسية فقط، مع تغطيتها بشبكات حديدية تبيح الرؤية من الداخل وتمنع من بالداخل من الظهور للغرباء، فيما يبقى الفناء الداخلي هو أساس المسكن الذي يسمح بالتهوية ودخول أشعة الشمس.[4]


ثمة مظاهر أخرى قد تنبئنا عن العلاقة بين الشكل العمراني للمساكن وأنماط الاجتماع السائد، يُمكننا مثلا اعتبار التشابهات بين تصميمات المنازل داخل المجتمع الواحد كأحد نواتج ما يصفه الاجتماعي الفرنسي إيميل دوركايم بـ «التمثلات الجمعية» أي مجموعة من التراكمات القيمية والمعيارية المنتجة من طرف المجتمع، والخارجة عن الشعور الذاتي للأفراد، تلك التمثلات غير منبثقة من وعي أفراد منعزلين عن بعضهم البعض، و إنما هي صادرة عن العلاقات القائمة بينهم. [5] 

وباستلهام ثنائية المدينة/الريف التقليدية، يمكن رصد انعكاس طبيعة العلاقات الاجتماعية في المدينة، بصفتها علاقات تتسم بالهشاشة والسطحية والاعتماد الوظيفي المتبادل بين الفئات الاجتماعية المتنوعة، وحيث تتحول الأسر الممتدة إلى أسر نووية، إذ تسود الوحدات السكنية العمودية «العمارات/الأبراج» حيث كل وحدة سكنية «شقة» مستقلة بذاتها، فيما تمثل الأماكن العامة مثل النوادي فضاءات تسمح بإقامة علاقات اجتماعية بين فئات متألفة من دون الاحتفاظ بارتباطات عميقة قد تكون ذات طابع تقليدي.

كما يمكن أن تعكس طبيعة المنزل من الداخل أنساق العلاقات الاجتماعية والتكوين الثقافي للساكنين، فمثلا امتلاك هاتف يعني بالضرورة أن المرء يمارس/يرغب في ممارسة قدر من التواصل مع الآخرين، توفير غرف نوم خاصة للأبناء الذكور وأخرى للإناث يعكس التزاما أسريا بالثقافة الإسلامية التي تفرق بين الأطفال في المضاجع عملا بالحديث النبوي، كما أن صغر حجم المنازل مع زيادة عدد أطفال الأسرة قد يدفع بالأطفال إلي قضاء وقت جزء كبير من وقتهم خارج المنزل، الأمر الذي ينمّي علاقات الصداقة بين أطفال الحي الواحد.

وجهة نظر أخرى

من ناحية أخري، فالنمط العمراني قد يؤثر أيضًا على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، ولا يتوقف على كونه مجرد ناتج لها. ففي كتاب «الآثار الاجتماعية للتوسع العمراني: المدينة الخليجية نموذجا» للدكتور عبد الله بن ناصر السدحان، الذي يناقش العلاقة بين التوسع العمراني الخليجي وطبيعة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، ينقل السدحان عن إحدى الدراسات الحديثة أن جيرة المداخل الخارجية في المساكن المنفردة الأفقية تزيد من فرص التعارف بين المواطنين أكثر من جيرة المداخل الداخلية في المباني العالية. [6] 

كما توضح دراسة أجريت علي البلدة القديمة بمدينة نابلس الفلسطينية، أن ثمة علاقة وطيدة بين العلاقات الاجتماعية بين الجيران والبيئة المادية للمنازل، فحيثما وجدت فراغات الحوش المشتركة، كانت أواصر العلاقات الاجتماعية أكثر توطدا بشكل كبير، إذ تؤدي إلى الشعور بوحدة السكان، وإعطاء الأمان للإناث للتأخر ليلا خارج المنزل. [7] 

5- المباشري، محمد. (2015م). «دوركايم و التمثلات الجمعية: مقاربة نفسية اجتماعية تربوية»، آسفي زوم.

6- علي، أحمد حسن علي. «الآثار الاجتماعية للتوسع العمراني [عرض للكتاب]»، الجزيرة.

7- طه، رانيا محمد علي. (2010م). «التأثير المتبادل بين الواقع العمراني للمساكن والهوية الثقافية الاجتماعية للسكان، حالة دراسية: البلدة القديمة بنابلس»، جامعة النجاح الوطنية، ص 150.

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات