هل العقل هو كيان مستقل عن الجسد، أم أنه جزء من الجسد أو هو أحد أعضائه؟

هل العقل هو كيان مستقل عن الجسد، أم أنه جزء من الجسد أو هو أحد أعضائه؟ إذا كان العقل هو المخ أو هو جزء عضوي من الجسد، فكيف ينشأ الوعي (جملة الحالات العقلية المختلفة التي يجدها الإنسان داخله كالآراء والمشاعر والإحساسات والقرارات التي نجدها لدينا) وتحديدا الكواليا qualia (أي الخصائص الذاتية التي تختلف بين كل إنسان وآخر في شعوره بحالاته العقلية)؟ إذا كان العقل هو في المقابل كيان آخر، فما طبيعة علاقته بالجسد؟

محمود هدهود
محمود هدهود check_circle
قبل سنتين

تعتبر فلسفة العقل كمجال مستقل فرعا حديثا نسبيا حظي بالاهتمام في القرن العشرين، وخاصة في الثقافة الأنجلوساكسونية (الثقافة الإنجليزية الأمريكية). والمشكلة الرئيسية التي تبلورت فلسفة العقل من النقاش حولها هي مشكلة العقل الجسد Mind/Body Problem التي تتساءل عن العلاقة الملتبسة بين ما ندعوه العقل وبين الجسد. وهو سؤال، كغيره من أسئلة الفلسفة، يبدو لنا للوهلة الأولى في الحياة اليومية غير مطروح للتساؤل. فجميعنا يتحدث عن العقل البشري أو النفس البشرية، لكننا لا نفكر في طبيعة وجود هذه الأشياء وفي علاقتها بأجسادنا. ارتبطت فلسفة العقل، أكثر من غيرها من فروع الفلسفة، بتطور العلم الحديث. 

فتطور الدراسات العصبية واكتشاف الإمكانات المذهلة للمخ البشري ووظائفه المتعددة وآلياته المعقدة، والتي لا زالت محاولة اكتشافها وطموح دراستها من أكثر مواضيع العلم الطبيعي حيوية، جعلت الحديث عن العقل ككيان مختلف عن الجسد أمرا يحتاج إلى مراجعة في نظر كثير من الفلاسفة. إلا أن الوعي، أو جملة آرائنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وقراراتنا المتنوعة التي نجدها لدينا، لا زال يمثل الرقم الصعب في معادلة العقل والجسد. ففي ظل ازدهار النزعة الفيزيائية Physicalism، والتي ترى أن كل شيء يخضع في النهاية لقوانين الفيزياء، ظل من الصعب الإجابة على السؤال الذي طرحه الفيلسوف الأمريكي توماس ناجل؛ وهو: كيف يبدو أن تكون خفاشا؟ فإجابة هذا السؤال غير ممكنة إلا بأن يملك الإنسان نفس الحالات العقلية Mental States التي يشعر بها الخفاش. وهو الأمر الذي لا يمكننا أيضا رصده تجريبيا. بل إننا لا يمكن أن نصف وعي إنسان آخر بنفس الشيء الذي نعيه نحن، فكل مننا عندما ينظر مثلا إلى وردة تنشأ لديه حالات عقلية خاصة به، وهذه الكيفية الخصوصية هي ما يطلق عليه الكواليا qualia. 

هناك أيضا ما يسمى بحجة الزومبي. فإذا كان بإمكاننا أن نتخيل الزومبي، أي جسد يخضع لكل القواعد الفيزيائية، لكن دون وعي، أي دون حالات عقلية يعيها الإنسان، فإن هذا يعني أن تلك الحالات لها وجودها الخاص دون الجسد. 

في المقابل يبقى تصور وجود العقل ككيان مستقل أمرا صعبا. فإذا كنا نعلم وفقا للتجارب الحديثة أن ثمة مناطق في المخ يمكن باستثارتها أو بإتلافها الحصول على حالات عقلية معينة أو التأثير فيها، وثمة مواد كيميائية (النواقل العصبية) يمكن إذا زادت أو نقصت أن تؤثر في حاالاتنا العقلية. أي أن تلك الحالات هي مرتبطة بلا شك بالحالات أو الأحداث العصبية، وبالتالي فلا حاجة إلى الاعتقاد بوجود مستقل لها، بحسب أولئك الذين يعتقدون بأن تطور الدراسات العصبية سيكشف عن طبيعة تلك الحالات تماما. 

 

يبدأ التأريخ لفلسفة العقل غالبا مع ديكارت، الذي رأى أن هناك جوهرين مختلفين: أحدهما عقلي، والآخر مادي، ويعرف هذا الموقف بالثنائية الديكارتية Cartestian Dualism. إلا أن سبينوزا رأى أن العقلانية والمادية ما هما إلا وجهين لجوهر واحد. أما حديثا، فقد كان لكتاب The Concept of Mind لفيلسوف أكسفورد جلبرت رايل دورا كبيرا في إثارة الجدل من جديد حول هذه الثنائية الديكارتية التي رأى أنها مجرد وهم وخطأ مفاهيمي Category Mistake (أي تحويل مفهوم العقل إلى كيان موجود باستقلال عن الجسد). 

لاحقا كان لأعمال توماس ناجل، هيلاري بوتنام، مايكل داميت، دانيال دانيت، جون سيرل، ديفيد شالمرز أثر كبير في إثراء هذا المجال.

هناك توجهان رئيسيان في مجال فلسفة العقل:

 الأول هو الأحادية Monism، وهو التوجه الذي يرى أن العقل ما هو إلا جزء من الجسد. ويختلف تحديد ما هو العقل بالضبط بين توجهات الأحادية المختلفة. كان لهيمنة السلوكية Behaviorism على دراسة علم النفس في النصف الأول من القرن العشرين أثر كبير في شيوع الأحادية. 

ترى السلوكية أن علينا أن نهتم فقط بالسلوك الملاحظ للإنسان، وعلينا ألا ننشغل بالحالات النفسية الداخلية له. تمثل نظرية الهوية Identity Theory محاولة للإجابة عما لم تجب عنه السلوكية، وهي نظرية ترى أن الحالات العقلية ليست في الحقيقة سوى حالات داخلية للمخ؛ لذا فإنها تعتبر تمهيد لما صار يعرف بالاختزالية العصبية Neurological Reductionism التي ترى أن العمليات العقلية سيختفي الحديث عنها تماما لأن دراسة علم الأعصاب سوف تكشف بشكل كامل عن العمليات العصبية التي وراءها. كما أن الوظيفية Functionalism تمثل محاولة لتفسير العمليات العقلية تفسيرا أحاديا باعتبارها محض وظائف للمخ والدوائر العصبية، يمكن أن يؤديها الكومبيوتر، والذي لا يمثل التفريق بينه وبين الإنسان سوى ‘‘شوفينية هيدروكاربونية Hydrocarbon Chauvinism’’. 

التوجه الثاني (وربما الأول تاريخيا وشعبيا) هو الثنائية. وتعتبر الصياغة الديكارتية التي سبقت الإشارة إليها هي الصياغة الأشهر. إلا أن السؤال الذي تعجز الصياغة الديكارتية عن الإجابة عنه: كيف يتم التفاعل بين العقل والجسد أو كيف يؤثر كل منهما في الآخر؟ هو الذي أدى إلى نشأة صيغ أخرى من الثنائية. فمذهب التوازي Parallelism ينكر هذا التفاعل بالكلية، ويرى أن الحالات العقلية والحالات العصبية تتم كلاهما بالتوازي مع، ولكن بمعزل عن، الآخر. 

ثمة أطروحات حديثة للثنائية تؤكد التفاعل الثنائي بين العقلي والعصبي Interactionist Dualism وهو الأمر الذي تكشف مفاهيم العلية بعد تطويرها في الفيزياء الحديثة عن إمكانية حدوثه. 

 

تلقي المواقف الدينية بظلالها على مسألة العلاقة بين العقل والجسد. فبينما تتناول فلسفة العقل، العقل البشري بما هو موضوع ممكن للفهم العقلاني وربما التجريبي، ولا تتناول مسائل كالنفس البشرية والروح؛ إلا أن بعض الفلاسفة يرون أن نفي العقل هو جزء من رؤيتهم المادية للعالم، أو نفي وجود الإله، كما نرى لدى دانيال دانيت، أحد فلاسفة العقل الكبار وأحد نجوم الإلحاد الجديد في الوقت نفسه. كذلك تتعالق فلسفة العقل مع كثير من التخصصات العلمية الحديثة، فدارس علم الأعصاب ستكون مسألة العلاقة بين العقل والجسد أحد المشكلات الأساسية المطروحة عليه والمحفِّزة لبحثه العلمي. كما أن دارس علوم الكومبيوتر سيجد تداخلا كبير بين دراسة الوظائف والدوائر العصبية وبين النماذج الكومبيوترية. بل إن فلسفة العقل تعد أحد أبرز مواطن التداخل بين العلم والفلسفة، التي تطرح تساؤلات من نوع: 

هل ثمة أسئلة لا يمكن للعلم أن يجيب عليها؟

 وهل يمكن أن نرى أن هناك مواطن قصور في النموذج العلمي الحالي يمكن حال تطويرها الوصول إلى حلول لمثل هذه الموضوعات؟ 


مراجع للاستزادة:

1-Laura Weed, Philosophy of Mind: An Overveiw, Philosophy Now, No. 87. 

2-G. Ryle, The Concept of Mind, Routledge 2009 (1949). 

3-Thomas Nagel, What's It Like To Be a Bat? Philosophical Review 1974, pp. 435–50. 

4-John Searle, Intentionality, 1983 

5-كارل بوبر، النفس ودماغها، ت: عادل مصطفى، رؤية 2012 (1984). 

6-Daniel C. Dennett, Consciousness Explained, 1991. 

7-David Chalmers, The Conscious Mind, Oxford University, 1996. 

8-سرجيو مورافيا، لغز العقل، ت: عدنان حسن، وزارة الثقافة السورية 2002. 

9-كريستوف كوتش، البحث عن الوعي، ت: عبد المقصود عبد الكريم، المركز القومي للترجمة 2013.

أضف إجابتك

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات