كيف نبدأ بإعداد خطة البحث وأي المواقع يمكن الاستعانة بها ؟


اسمح لي قبل أن أرشح لك مراجع تستعين بها في إعداد خطة بحثك، أن أقدم لك أولا بعض النصائح في هذا الشأن من واقع خبرتي الشخصية المتواضعة، وهي:

أولاً: حدد نيتك وجددها: فإن البحث العلمي غير مطلوب لذاته، لاسيما في هذا الوقت الذي تخلفت فيه أمتنا عن الإسلام نفسه، مما جعلها في ذيل الأمم في العلم وغيره، وباتت مفعولاً بها بعد أن كانت فاعلة، ولذلك فمن المهم أن تستحضر نية أن تبتغي ببحثك وجه الله عز وجل بأن تقدم لأمتك –وللإنسانية حبذا- علمًا نافعًا مهما كان أثره المتوقع ضئيلاً من وجهة نظرك، فلا تحقرن من المعروف شيئًا.

ثانيًا: ابحث عن مشكلة -أو إشكالية- لحلها: فعليك أولا أن تقرأ كثيرًا في مجالك وتخصصك، وتبحث عن الموضوعات التي لا تزال تثير إشكاليات، وتُطرح حولها أسئلة تحتاج إلى إجابات علمية شافية، ولم تفلح الدراسات السابقة حولها في أن تقدم تلك الإجابات، وتتوقع أن تقدم جديدًا في معالجتها، وإذا عجزت عن الوصول إلى مثل الموضوعات بجهدك منفردًا فعليك أن تستعين بمن هم أكثر منك خبرة.  

ثالثًا: اسأل أهل الذكر: وهم الأكثر خبرة ودراسة في تخصصك، من أساتذتك والباحثين الذين سبق لهم تقديم دراسات مهمة في ذلك التخصص، فعليك أن تستشيرهم وأن تستعلم منهم عن الموضوعات ذات الأولوية للدراسة والبحث، وينبغي ألا تسأل إلا من تتوسم فيهم الجدية والتجرد، وتتجنب هؤلاء السطحيين أو الماديين الذين لن يزيدونك إلا حيرة وقد يضلونك فيرشدونك إلى موضوع قُتل بحثًا لمجرد أن تحصل على ترقية أو عائد مادي بغض النظر عن جدواه العلمية والعملية.

رابعًا: استفت قلبك: في الأغلب الأعم ستجد أمامك أكثر من موضوع يستحق الدراسة، وعندئذ فعليك أن تختار الموضوع الذي تجده أقرب إلى قلبك، وتظن أن عطاءك فيه سيكون أكثر نفعًا من غيره، لأن هذا الموضوع ستعيش معه لفترة قد تمتد لسنوات، ومن المهم أن تحب العمل فيه حتى لا تمل منه، أو تقصر فيه، فيطول بك الأمد وتتأخر في إنجازه، أو تنجزه قبل أن يستوي على سوقه لمجرد أن تتخلص منه.

رابعًا: اختر عنوانًا جامعًا ومعبرًا: بعد أن تختار الموضوع عليك أن تتمهل في اختيار عنوان مناسب لبحثك يعبر عن الموضوع بشكل واضح وشامل ومتكامل، بحيث يكفي الاطلاع عليه للتعرف على مشكلة البحث وجوانبها المختلفة، خاصة وأنك ستكون عينك على عنوان بحثك دائمًا عند الكتابة فيه حتى لا تخرج عن موضوعه إلى موضوعات أخرى لا صلة لها به.

خامسًا: حدد هيكلا للبحث يضمن استيعاب الموضوع: وهذا هو الجزء الذي أتوقع أنك وجهت سؤالك أساسًا للتعرف عليه، وهو بالفعل على درجة كبيرة من الأهمية.

توجد عناصر أساسية متعارف عليها ينبغي أن تتوافر في البحوث العلمية عادة، وتتلخص في أن يشتمل البحث على العناصر والمكونات الآتية:

1)    مقدمة: تتناول عادة تحديد الموضوع وأسباب اختياره، ومشكلة الدراسة، وأهداف الدراسة، واستعراض الدراسات السابقة وما ستضيفه هذه الدراسة من جديد لم تتضمنه تلك الدراسات، والصعوبات التي واجهها الباحث في دراسته، وافتراضات الدراسة، والمنهج أو المناهج التي اتبعها الباحث في دراسته، وخطة البحث.

2)    تقسيم البحث وهيكلته: المعيار الأساس لتقسيم البحث يعتمد على ما تتفرع إليه المشكلة الأساسية للدراسة من مشكلات فرعية، أو أسئلة رئيسة تتعلق بها ينبغي مناقشتها وتحليلها وطرح إجابات لها قدر الإمكان، وبناء على ذلك يقوم الباحث بتقسيم بحثه بحسب عدد هذه المشكلات الفرعية، وحجم مناقشتها المتوقع وطبيعة موضوعها، فقد يحتاج إلى تقسيم البحث إلى أقسام ثم أبواب ثم فصول ثم مباحث ثم مطالب ثم فروع، وقد لا يحتاج إلى تقسيمها إلى أقسام فيبدأ بالأبواب، أو الفصول، وهكذا، والمهم أن يتناسب التقسيم مع ما هو متوقع مناقشته في البحث من مشكلات تستوجب الدراسة والتحليل، مع مراعاة التوازن في أبواب الدراسة بحيث لا يكون هناك تفاوت كبير في حجمها، وكذلك ارتباط كل منها بالآخر، مع ترتيبها ترتيبًا منطقيًا، وكذلك من المهم ألا يسرف الباحث في (بحث المبحوث) في دراسات سابقة، وأن يتجه مباشرة إلى صلب موضوعه والجديد الذي يريد مناقشته وتحليله، ومن ثم فلم تعد هناك حاجة لباب أو فصل تمهيدي، ويتم الاستعاضة عنه غالبًا بمدخل لبيان معاني المصطلحات والمفاهيم الأساسية للدراسة، والتي عادة ما يحتوي عليها عنوان البحث، وأما الجانب التاريخي فينبغي الاختصار فيه بقدر الإمكان، فلا يورد الباحث إلا ما سيحتاج إليه من الماضي ليستند إليه في معالجة موضوعه، ومن ثم فلا حاجة لتخصيص باب أو فصل لهذا الجانب إلا للضرورة القصوى، ومن هنا تبدأ معالجة الموضوع نفسه، فإذا كان عن ظاهرة الإسلاموفوبيا مثلاً يمكن أن يخصص الفصل الأول للتعريف بالظاهرة، والثاني لعواملها، والثالث لسبل معالجتها وهكذا، وهو أمر يمكن الاستفادة فيه بالاطلاع على المؤلفات السابقة التي تناولت موضوعات مماثلة، ومحاكاتها.

3)    الخاتمة: فكل بحث ينبغي أن يُختتم بخاتمة تتضمن عنصرين أساسيين، أولهما: بيان أهم نتائج الدراسة، وثانيهما: أهم توصياتها.

4)    المصادر والمراجع: حيث يورد البحث بعد الخاتمة عادة قائمة بأهم المصادر ومراجع بحثه مرتبة ترتيبًا هجائيًا، إما بحسب أسماء المؤلفين، أو بحسب عناوين المؤلفات، حسبما هو متبع في الجهة الموجه إليها البحث.

5)    الفهارس: والتي تحتوي غالبًا على فهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس الأعلام، وفهرس المحتويات.

سادسًا: خذها بقوة ولا تتردد: بعد أن يحدد الباحث خطة بحثه بعناية، ويعتمدها رسميًا (إذا كانت دكتوراة أو ماجستير مثلا) عليه أن يبدأ في دراسته على الفور ولا يتردد في مدى كفاية الخطة التي وضعها طالما تمَّهل في إعدادها ولم يتعجل، فعليه أن يثق في نفسه ويبدأ في بحثه بقوة، وحتى إذا تبين له بعد ذلك -بجلاء- أنه يحتاج إلى تعديل الخطة، فلا ضير في ذلك، فإن التغيير في الخطة للضرورة وارد ومتوقع، وغالبًا لا يتم التشدد في قبوله من المشرف، على عكس العنوان الذي قد يحتاج إلى اعتماد جهات عدة للموافقة عليه.

 وأظن أن من قبيل أخذ الموضوع بقوة، ألا تكتفي بنصائحي تلك، وأن تستعين فورًا ببعض الكتب –لا المقالات وحدها- التي قد تصاحبك، ليس فقط في مرحلة إعداد خطة البحث، بل طوال فترة إعداده وحتى اعتماده بأعلى تقدير بإذن الله، وأرشح لك الكتب الآتية:

1)    طرق ومناهج البحث العلمي، أ. د. محمد صالح النعيمي، وآخرَين.

2)    منهجية البحث العلمي في العلوم القانونية، د. عبود عبدالله العسكري.

3)    المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية، د. إبراهيم ابرانش.

4)    البحث العلمي، أسسه ومناهجه، أ. د. عصام حسن الدليمي، و أ. علي عبدالرحيم صالح.

وهذه الكتب يمكن تنزيل نسخ (pdf) منها جميعًا عبر الإنترنت.

 

وفقك الله لما يحب ويرضى ونفع بك وبالجميع.

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات