ما هي أفضل الكتب والمساقات الهامة في مجال فلسفة العلم للمبتدئين؟

star إجابة مميزة

خلافا لما يمكن تصوره للوهلة الأولى، ففلسفة العلم كحقل لا تتعلق بتحليل نتائج الإنجازات العلمية الحديثة في الفيزياء والبيولوجيا فلسفيا، وإن كانت تتعاطى مع ذلك فعلا، لكنها تتعلق أكثر بنقد مفهوم العلم نفسه، بمعنى تحديد ما هو علم وما هو ليس علما، وإذا كان العلم هو فعلا تمثيل مطابق للحقيقة أم أنه ليس كذلك، وبالتالي لا يستحق كل هذه الثقة التي نعطيها له.

تعتبر حلقة فيينا الفلسفية التي تشكلت من مجموعة من الفلاسفة وعلماء المنطق، أبرزهم رودولف كارناب وموريتز شيليك، عام 1924 وطرحت رؤية تقوم على اعتبار العلم هو المعرفة الإنسانية الوحيدة الجديرة بالثقة إلى جانب المنطق، لأن العلم هو الذي يلتزم بمعيار القابلية للتحقق، أي إمكانية تحويل كل مقولة من مقولات العلم إلى تجربة قابلة للملاحظة. عرفت تلك الفلسفة بالوضعية المنطقية (Logical Positivism)، فهي وضعية (إيجابية) لأنها ترى أن العلم لا بد أن يتعلق بالوقائع لا بالتأملات، وهي منطقية لأنها ترى المنطق هو العلم الوحيد غير التجريبي الذي يمكن قبوله.

اتسمت الوضعية المنطقية بشيء من العداء للفلسفة والرؤى الدينية والمثالية. وبالتوازي مع حلقة فيينا، برزت أطروحات قريبة من أطروحاتها لدى برتراند راسل ولودفيج فتجنشتين وألفرد جول آير.

جاءت أطروحات حلقة فيينا في إطار انشغال شديد في مطلع القرن العشرين بالجدل بين هيمنة العلم وأثر ذلك على الروح من جهة، وانتشاء العلم بإنجازاته النظرية والتقنية التي لم يعد من الممكن تجاهلها كما حاول بعض أصحاب الرؤى النقدية تجاه العلم من قبل. لذلك نجد بالتوازي في فرنسا تيار "التواطؤية" (Conventionalism) ونقد العلم عند هنري بوانكاريه وبيير دوهيم، وهو تيار شاع لدى مؤرخي العلوم الذين رأوا أن العلم يتغير حتى يكاد ينقض جديدُه قديمَه من أصله، لذلك اعتقدوا أن العلم هو اصطلاحات يتوافق عليها المجتمع لحقبة من الزمن ثم لا تلبث أن تأفل وتحل محلها قواعد اصطلاحية أو تواطؤية جديدة.

يعد نقد كارل بوبر للوضعية المنطقية لحظة فارقة في في فلسفة العلم، تحددت بصدور كتابه "منطق الكشف العلمي" (Logic of Scientific Discovery) 1934، الذي يتفق مع الوضعية في رفض التواطؤية ونقد العلم، أي التيارات التي ترى أن المعرفة العلمية هي مجرد تواطؤات اجتماعية أو تاريخية، وأنها لا تختلف عن المعرفة التأملية التي لا تتعلق بالتجربة والوقائع، لكنه في نفس الوقت يرفض المعيار الضيق للعلمية التي وضعته الوضعية المنطقية، وهو مبدأ القابلية للتحقق (Verifiability)، أي إمكانية اختبار المقولة العلمية تجريبيا، إلى القابلية للدحض (Falsification)، أي أن العبارة تكون علمية إذا كان من الممكن أن نكتشف لاحقا أنها خطأ. بالتالي فتح بوبر كما ظهر في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، أي إمكانية بناء معرفة تأملية حول المجتمع والوجود بمعناه الواسع غير المادي طالما أن هذه المعرفة قابلة لأن تنتقد. كما قدم بوبر لاحقا إلى جانب كارل همبل النموذج الاستنباطي الاسمي للتفسير العلمي، كمحاولة لحل معضلة الاستقراء.

عادت النزعة النسبوية والتواطؤية في فلسفة العلم للظهور مع صدور عمل توماس كون الهام "بنية الثورات العلمية" الذي يرى فيه كون أن المعرفة العلمية تتحرك في ظل نموذج إرشادي (Paradigm) معين، يبقى قائما طالما كان قادرا على حل المشكلات التي تواجهه، وعندما يعجز فإنه يسقط ويحدث تحول ثوري بلا تراكم علمي، وهي الأطروحة التي واجهت نقدا شديدا من بوبر والمتأثرين به.

في هذا السياق المعقد الذي يبرز صعوبة فهم الظاهرة العلمية في تركيبيتها، تطورت أطروحات أكثر تعقيدا وتواضعا في آن في فهم العلم والقانون العلمي والممارسة العلمية ونقد المناهج العلمية، تتناول مثلا مشكلة الطب الدلائلي Evidence-based Medicine، ومشكلة شروط الأبحاث العلمية حاليا ومدى تساهلها أو تشددها وإعاقتها لتطور العلم أو تعميقه.

وفق هذه المقدمة التاريخية يمكننا طرح ذلك البرنامج لقراءة فلسفة العلم:

  1. فلسفة العلم في القرن العشرين، يمنى الخولي، عالم المعرفة أو مؤسسة هنداوي. يعد هذا الكتاب مدخلا تاريخيا بسيطا للمجال يمكن من خلاله استيعاب الأسئلة الرئيسية لهذا الحقل ومحاولات الإجابة الأساسية كذلك.

  2. فلسفة العلم: مقدمة معاصرة (Philosophy of Science: Contemporary introduction)، ألكساندر روزنبرج، روتلدج. هذا الكتاب مقدمة رائعة للنقاشات الأساسية في فلسفة العلم تجمع بين العمق والبساطة، وهو كتاب يصلح تماما كمدخل دراسي للحقل. صدرت له ترجمة عربية عن المركز القومي للترجمة، لكنها شديدة السوء، لكن النسخة الإنجليزية متاحة (شرعيا) على موقع Archive.

  3. مدخل إلى فلسفة العلوم، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية. ميزة هذا الكتاب أنه يأخذ القارئ إلى الطفرة التي حدثت في الرياضيات والمنطق وفلسفتهما، وهي طفرة ضرورية لفهم مشكلات فلسفة العلم وأسس العلم الطبيعي، أي ضرورية لفهم أن العلم ليس بداهة عقلية كما قد يبدو لنا للوهلة الأولى، لكن القارئ قد يجد صعوبة بالطبع في فهم هذين الحقلين (المنطق والرياضيات) اللذين هما أشد الحقول تجريدية بالطبع.

  4. منطق الكشف العلمي، كارل بوبر. هذا الكاتب هو النص الأساسي في حقل فلسفة العلم، إنجيل هذا الحقل بامتياز، يمكن الاطلاع عليه لمن لديه معرفة فلسفية وعلمية أساسية جيدة، وقد صدرت له ترجمتان عربيتان، الأولى بعنوان "منطق الكشف العلمي" لأستاذ الفلسفة المصري ماهر عبد القادر علي، لكنها ترجمة لجزء من الكتاب فحسب، والثانية أحدث، وهي بعنوان "منطق البحث العلمي" عن المنظمة العربية للترجمة، لكنها لم تعجبني. أما الأصل الإنجليزي فهو متاح على الإنترنت لكن بشكل غير شرعي فيما أعلم.

  5. إشكاليات فلسفية في العلم الطبيعي، ددلي شابير، المكتب الوطني للبحث والتطوير في ليبيا (متاح على الإنترنت وإن لم يعد متاحا ورقيا). هذا الكتاب يضم مجموعة أبحاث لأبرز فلاسفة العلم ككارنات وهمبل ودوهيم وتوماس كون.

  6. أخيرا، يبدو ضروريا الاطلاع على أعمال الفيلسوفين الأمريكيين الكبيرين ويلارد كواين وهيلاري بوتنام، كما الاطلاع على مشكلات فلسفة الرياضيات من كانتور إلى فريجه وراسل وما بعدهما، وأسس المنطق الرياضي والرمزي ومنطق النماذج والأوليات والاحتمالات.

هل قراءة فلسفة العلم مفيدة للباحث العلمي؟ بالتأكيد. لكنها رحلة غير آمنة، فهي محفوفة بخطر أن يكتشف الباحث كم هو هش كل ذلك العالم العلمي الذي يخلبه، وكم هي رخوة تلك الأرضية العلمية التي يتحرك على أساسها في بحثه، مما قد يشغله عن المسائل الجزئية التي يشتغل عليها. إذن، إذا كنت باحثا علميا، فحاول أن تكتفي بفكرة شاملة عن ذلك المجال دون التورط في تفاصيل مشكلاته.

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

close
refresh
جار تحميل المزيد
notifications_off
لا توجد إشعارات