هل يمكن استخدام الدراما كأداة لتزييف الوعي الشعبي بحقائق تاريخية؟


نعم يمكن استخدام السينما والدراما لطمس الحقائق، وتزييف الوعي، وغسيل الأدمغة، بل أكاد أقول إن صناعة السينما والدراما اليوم تقوم على غسيل الأدمغة، وتشكيل وعي زائف بالحقائق والتاريخ، وترسيخ قيم القائمين خلف هذه الصناعة مثل الاستهلاك والعدمية ونشر الإلحاد وقيم الجندرية والجنوسة، وسيادة المادة، ومحاربة الدين/الأديان، والأمثلة على ذلك لا تحصى، خذ عندك هوليوود حين تمجد التدخل والبطولات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية وتتجاهل إلقاء القنبلة النووية على اليابان وآثارها الكارثية على البشر والعمران، أو تتدخل في فيتنام وتعتبر ذلك انتصارًا للقيم الأمريكية الديمقراطية ضد الآخر الهمجي، وهذا الآخر هم أبناء البلد، وكذلك في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط في العموم، فضلا عن صورة العربي الذي يكاد أن يكون مجرما أو إرهابيا في الشاشة الأمريكية.

وفي الدراما العربية هناك نماذج ممتازة عملت على إعادة تصحيح مسار التاريخ العربي والإسلامي والتاريخ الحديث المعاصر، كالذي قام به المبدع وليد سيف في ربيع قرطبة، وملوك الطوائف، وصلاح الدين، والتغريبة الفلسطينية، ومسلسل عمر، والحسن والحسين، وأخيرا نحن في انتظار "ممالك الدم" الذي يبدو مثالا حيا لتزييف الوعي التاريخي لأغراض قومية وعداءات إقليمية بين الدول، ومن قبله مسلسل "الجماعة" وهو مثال حي على التزييف التاريخي الفج.

والدراما التركية حملت النوعين، نوع بث نشر الزيف التاريخي، مثل "حريم السلطان" الذي صور السلطان سليمان القانوني باللاهي اللاهث خلف الحريم، وهو المجاهد العظيم الذي فتح رودس وقبرص ووصلت قواته إلى وسط أوروبا وضم العراق بعدما استولى عليها الصفويين، كما أنه المشرع والقانوني الذي صحح المسار الدستوري في الدولة العثمانية.

وهناك نوع آخر جيد يحي أمجاد الأجداد مثل أرطغرل وكوت العمارة والسلطان عبد الحميد، رغم المبالغات الواضحة في بعضها التي تصور الأبطال كأنهم "سوبر مان" استطاعوا تحقيق ما لم يحققه غيرهم، ورغم هذه المبالغات التاريخية والدرامية فإنها على مستوى القيمة الأخلاقية مفيدة للمشاهد.

باختصار؛ الدراما التاريخية جزء من صناعة الوعي، وأسرعها وصولا للناس من الكتب والروايات والأبحاث الأكاديمية، لذا يتم الإنفاق عليها أكثر مما يُنفق على البحث العلمي في بلادنا، والغالب أن الدول والحكومات العربية التي تقف وراء إنتاجها، إنما تستغلها في تشويه الخصوم، وتزييف الحقائق، وغرس القيم الأخلاقية والقومية التي تريد تحقيقها، لذا كلما كانت صناعة الدراما بعيدة عن أيدي الحكومات كلما خرج العمل محايدًا سليما، مثل ما قام به وليد سيف، وهو نموذج مبهر وعبقري ومحايد في أغلبه.


مكننا القول أن الدراما التاريخية تنير لنا محطات في التاريخ قد تكون مظلمة أو تخفى علينا ، فهي تثير بداخلنا تساؤل عن هذا الحدث التاريخي وتلك الحقبة التاريخية التي يقدمها العمل ، والمشاهد الواعي قد تقوده الدراما التاريخية إلى البحث في كتب التاريخ عن تفاصيل أكثر أو مقارنة الأحداث التي شاهدها في العمل الفني بالروايات التاريخية عنه. ولكن خطورة الدراما التاريخية تكمن في اعتبارها مصدرا حقيقيا للتاريخ فيتعامل بعض المشاهدين مع الأحداث المقدمة لهم باعتبار أنها الحقيقة. ومما لا يخفى على صناع الدراما أنفسهم أن الدراما التاريخية تحمل الكثير من التلاعب والتغيير في الأحداث التاريخية بداية من التغيير الحتمي لخلق قصة درامية تصلح لمعايير العرض الدرامي ، وصولا إلى التغييرات الموجهة سياسيا. خطورة الدراما التاريخية في استغلالها في الصراعات السياسية بتقديم الرواية المراد كتابتها في ذهن المشاهد والتي لا تكن بالضرورة صحيحة بل في الأغلب تكن مغايرة تماما للتاريخ الحقيقي.

في الرابط التالي حلقة كاملة عن الدراما التاريخية وإلى أي مدى تؤثر في المشاهد وتعرض التاريخ بصدق :

أضف إجابتك

cloud_upload

جار الرفع... ({{imageUpload.progress}})

أرسل إجابتك كعضو
أرسل إجابتك كزائر

اطرح سؤالك على مجتمع التعلم واحصل على أجوبة من خبراء

الإشعارات

أغلق
جار تحميل المزيد
لا توجد إشعارات